فهرس الكتاب

الصفحة 1956 من 2255

إن المسلمين قاموا في الماضي بدور من أمجد أدوار التاريخ الإنساني.. وإنهم لأهل لأن يقوموا بمثله مرة أخرى. والخلاصة أن العلماء العرب في عصور الإسلام الزاهية، قاموا بدورهم الطليعي خير قيام في بناء النهضة العلمية العالمية، فقد نقلوا التراث الإغريقي وغيره من ألوان التراث العلمي الذي تقدم عليهم في التاريخ.. نقلوه إلى اللغة العربية التي كانت لغة العلم في العصور الوسيطة فعلى امتداد الدولة العربية الإسلامية من مشارف الصين شرقا إلى حدود فرنسا وجنوب إيطاليا غربا.. كان كل من أراد أن يكتب علما يقرؤه الناس لجأ إلى لغة القرآن الكريم، فكتب وألف بها، وظلت كتبهم في العلوم الطبيعية المراجع المعتمدة في جامعات أوربا حتى أواخر القرن السابع عشر حيث ترجمت إلى اللغات اللاتينية وما إن عرفت الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، حتى طبعت هذه الكتب عدة مرات، وشهد كثيرون من مؤرخي العلم من أمثال سارتون، وهولمبارد، وسميث، وكاجوري. وغيرهم بأنه لو لا تراث العلماء العرب، لاضطر علماء النهضة الأوربية إلى أن يبدءوا من حيث بدأ هؤلاء. ولتأخر سير المدنية عدة قرون. وقال بعضهم إنه كان لابد من وجود ابن الهيثم والخازن والكندي وابن سيناء والفارابي والبيروني والخوارزمي، لكي يظهر جاليليو وكيلر ونيوتن وكوبر نيق.

ويدلنا تتبع الفكر العلمي على مر العصور.. كيف أثر العلماء العرب في النهضة الأوربية. وكيف تأثر علماء أوربا بأعمال العلماء العرب فقد ثبت مثلا أثر العرب في ابتكار نظام الترقيم والصفر والنظام العشري. وكيف عرف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بثلاثة قرون.

وكيف قال الأدريسي وابن حزم والخازن بالجاذبية قبل نيوتن بقرون متطاولة.. بل كيف ربط الخازن بين الثقل والسرعة والمسافة مما جعل كثيرًا من المحققين يقولون إن صاحب كتاب"ميزان الحكمة"أي الخازن كان يعرف هذه العلاقة التي وضعها نيوتن على هيئة قوانين ومعادلات. وكيف أجرى ابن الهيثم من التجارب لقياس سرعة الضوء، وتقدير زوايا الانعكاس والانكسار وبحوثه في البصريات.

وكيف قاس فلكيو العرب أبعاد الأجرام السماوية وكيف ابتكروا الألآت الفلكية.

وعرفنا أن ابن ماجد الملاح العربي. كان ربان سفينة.. فاسكودي جاما. في رحلاته الاستكشافية في أعالي البحار. وأن جابر ابن حيان هو أول من أسس علم الكيمياء على دعائم قوية وخلصه من التشويه والاضطراب فنقله من صورته المشوبه بالشعوذة والسحر، إلى علم له قواعده وتجاربه وأصوله. حتى قال عنه (( سارتون ) )بحق.. إن علماء العصر الحالي لم يقدروا أن هذه أعمال رجل عاش في القرن الثاني للهجرة.. لوفرة ما بها من مادة علمية صحيحة، وشهد له بذلك (( هولمبارد ) )العالم الكيميائي المعاصر.

ويدلنا هذا العرض لتطور الفكر العلمي على أن العرب كانوا بحق واسطة العقد. تأثروا بعلماء العصر الإغريقي، وعلماء العصر الإسكندري ولكنهم أثروا بدورهم في علماء النهضة الأوربية.

وإلى حلقة قادمة عن شاء الله.

الدين والحضارة

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - (ج 15 / ص 349)

الدين والحضارة

لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين

الأستاذ بالدراسات العليا

يظن كثير من الناس أن الدين شيء وأن الحضارة شيء آخر وأن المتدينين قوم، وأن المتحضرين قوم آخرون، وهذا ظن خاطئ، تسرب إلى أقطار العالم الإسلامي في العصر الحديث نتيجة لانتشار مظاهر الحضارة المادية الوافدة من الغرب العلماني الذي فصلت دوله عن العلم عن الدين، وحسبت الدين داخل جدران الكنائس، فلم يعد له أثر فعال في سلوك الناس، لذلك ينبغي بيان صلة الحضارة بالدين، حتى لا يخدع شباب المسلمين، بما يروجه أعداء الإسلام أيًا كان لونهم من ضرورة الفصل بين الدين والحضارة، مجاراة للعلمانيين.

ولكي تتضح الصلة بين الدين والحضارة، ينبغي أن نتبين المقصود بالدين ثم نتبين المقصود بالحضارة لتظهر الصلة بينهما، وبالله التوفيق.

أولًا: المقصود بالدين:

يطلق الدين على كل معتقد يدين الإنسان به نفسه، ويلزمها إياه، وما يقتضي به هذا المعتقد من عبادات وأحكام وأخلاق ونحوها، وهو بهذا يشمل كل معتقد يعتقده الإنسان، سواء أكان هذا المعتقد حقًا أم باطلًا، صالحًا أم فاسدًا، هدى أم ضلالا.

فدين رسل الله هو دين الحق, ودين رسل الله هو الإسلام, فيه بعث الله رسله، وأنزل كتبه، وأساسه الإيمان بالله واحدًا لا شريك له, وإخلاص العبادة له, بحيث يكون الله وحده هو المعبود وهو المطلوب وهو المقصود، وبحيث يراقب الإنسان الله في كل عمل يعمله، سواء أكان هذا العمل من أعمال الدنيا أم كان من أعمال الآخرة، إذ لا فضل بين الدنيا والآخرة في دين الإسلام.

أما دين الكفر وأصحاب المذاهب الضالة المضلة قديمها وحديثها فدين فاسد لأنه يقوم على شرك وزيغ وضلال.

ويتضح الفرق بين دين الحق، ودين الباطل من قول الله سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ, لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ, وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ, لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} سورة الكافرون.

فدين الإسلام هو دين الحق الذي ارتضاه الله لعباده يقول الله عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ} (آل عمران:19) . ويقول سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 15) .

وقد أكمل الله دينه, وأتم نعمته، قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى رسوله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه فقال تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} ( المائدة:3) .

والإنسان العاقل هو المكلف بهذا الدين, وهو الذي ينبغي أن يأتمر بما فيه من أوامر, وينتهى عما فيه من نواه, حتى يستقيم طريقه في الحياة, ويتحقق له الفلاح والسعادة في دنياه وأخراه.

وقد خلق الله الإنسان، وجعله خليفة في الأرض، ليمشي في مناكبها ويأكل من رزق الله فيه ويعمرها، ويقيم الحضارة فيها على أساس عبادة الله وحده، ومراقبته في جميع الأعمال.

ولهذا فضل الله الإنسان على كثير ممن خلق تفضيلًا، فقال جلت حكمته: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء:71) .

والإنسان يولد على الفطرة نقيا صافيا، والإسلام دين الله الحق, دين يتفق مع الفطرة السليمة. ولهذا يقول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم:30) .

وكل مولود يولد على هذه الفطرة السليمة، كما يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت