فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 2255

المعاصرة حين تقول: أن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وأن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، وأن العلم لا علاقة له بالأخلاق، وأن الفن لا علاقة له بالأخلاق، وأن علاقة الجنسين لا علاقة له بالأخلاق... كل محاوله من هذا النوع هو اتجاه غير علمي لأنه يخالف أصل الفطرة فضلا عن إثارة المدمرة في الحياة الإنسانية" (4) ولقد انبهر الكثير من أبناء أمتنا المنهزمين نفسيا بهذا الفكر المشئوم. وساهم هؤلاء المنبهرين بنقل هذا الانبهار إلي العديد من أجيال الأمة. حتى أصابت مجتمعاتنا لوثة المادية التي هي هواء الغرب الذي يتنفسه كل لحظة. واكتوت أمتنا بنير هذا الفكر المشئوم على يد هؤلاء المنبهرين. وأصبحت مجتمعاتنا كمجتمعاتهم يكثر فيها التاجر المحتكر، والموظف المرتشي، والفقير الحاقد، والعامل المطفف الذي يأخذ حقه ولا يريد أن يعطي ما عليه. كثرت في مجتمعاتنا نماذج الغني البخيل، وصاحب النفوذ المستبد والمسئول الخائن، والخازن السارق، والوزير النفعي. ابتليت أمتنا بالزعيم الأناني الذي لا يخدم إلا نفسه، وحزبه، وشيعته. ابتلينا بالمٌشرع الظالم الذي يسن القوانين الظالمة الجائرة والتشريعات المضللة البعيدة عن شرع الله. ابتلينا بالمخترع أو المكتشف المسرف في عمله دون النظر بمردود عمله على خير الإنسانية. كذلك ابتلينا بالمنفذ القاسي منزوع الرحمة عند تنفيذ الأوامر والقوانين"ومن هذه النفسيات المادية تبعث المشكلات الكبرى في المجتمعات، وتصاب الإنسانية بويلاتها كما يقول الشيخ الزنداني (5) لقد احتك أجدادنا وأسلافنا المسلمون الأوائل بحضارات ومدنيات عديدة مثل الفارسية والرومانية والهندية والإغريقية احتكاكا قويا مباشرا. ومع ذلك احتفظوا بشخصياتهم الإسلامية دون انبهار أو انهزام. ظلوا ثابتين على عقائدهم وشعائرهم وأخلاقهم وشريعتهم. لم يسلب بريق هذه الحضارات ألبابهم، ولم يخطف عقوله، ولم يتخلوا عن هويتهم الإسلامية الأكثر تحضرا. لقد تعامل أسلافنا الأوائل مع هذه الحضارات بفكر الأٌسود. فالأسد لا يقع على جيفة مهما عصفت به الحاجة ونال منه الجوع. لقد عبوا من هذا الحضارات عبا. أخذوا منها ما ينفعهم ويلائم أوضاعهم."واستطاعوا- مثلا - أن ينتفعوا بتراث الإغريق العلمي بعد أن عربوه وهذبوه وأضافوا إليه. وأيد ذلك فقهاؤهم وأئمة دينهم بل ساهموا فيه. ولم يتوقفوا إلا فيما رأوه معارضا لعقيدتهم وفكرتهم.. المهم أن المسلمين كانوا غاية في المرونة أمام الجانب العلمي بتعبير عصرنا وكذلك الجانب الإداري، والتنظيمي والعمراني والصناعي. لم يجدوا أي حرج ديني في اقتباس ذلك من غيرهم والزيادة والتفوق فيه ما استطاعوا" (6) دون انبهار أو انكسار أو ذوبان للشخصية أو فقدان للهوية. إن محاربة الانبهار ببريق حضارة الغرب واجب على كل غيور على مستقبل هذه الأمة. كما وأن تبصير كتيبة المنهزمين و المنبهرين من أبناء أمتنا بعظمة حضارتنا الإسلامية وتاريخنا الإسلامي وردهم إليها واجب على كل من يبغى لهذه الأمة أن تعود لتسود. كما وأن معالجة الآثار السلبية التي استشرت في مجتمعاتنا من جراء الانبهار بحضارة الغرب هي التحدي الكبير الذي يقع على عاتق الدعاة والمصلحين. ويبقى بث الأمل في نفوس الأمة، وتقوية ثقتها بنفسها، وبحضارتها، وبثقافتها وبهويتها الإسلامية هو الخطوة الكبيرة صوب تحقيق الإصلاح الحضاري والفكري الذي نأمله لأمتنا الإسلامية والذي اسأل الله أن يكون قريبا.

1-نقلا من مقال التربية الأساس الأول للأستاذ أحمد البراء الأميري- مجلة المعرفة.

2-الشيخ عبد المجيد الزنداني توحيد الخالق.

3-الأستاذ محمد قطب حول التفسير الإسلامي للتاريخ.

4-المرجع السابق.

5-الشيخ عبد المجيد الزنداني توحيد الخالق.

6-د يوسف القرضاوي - الخصائص العامة للإسلام.

25 صفر / 1428هـ

15 مارس /2007م

عقليتنا الإسلامية ومنهج التعاطي مع الحضارة

( عقل استنباطي أم قياسي أم انبهار المغلوب بالغالب ؟ )

سيد يوسف

تمهيد:

هل عجز العقل المسلم والعربي عن استيعاب عالم الحضارة إن كان ثمة حضارة فيما يتعاطاه الآن من أحداث وأمور ومنجزات حضارية وعلمية وفلسفية؟ وهل ظل العقل المسلم مكبلا بمنهج الاستنباط دون إعمال أو انتقال جماعي منظم لمنهج الاستقراء الذي اعتمد عليه الغرب؟ فما هو المنهج الاستنباطي هذا؟ وما مجالاته؟ ومن ثم ما المنهج الاستقرائي هذا؟ وما مجالاته؟ وما علاقة المناهج العقلية هذى بالحضارة والتقدم؟ هل يمكننا أن نقول: إننا إلى الآن لا نمتلك الرصيد الفكري المأمول في التعرف على قضية المنهج الذي نتعاطى من خلاله حاضرنا وأن جهود بعض الأفراد من هنا أو من هناك لا تعدو كونها محاولات فردية وإن كنا نرجو لها التعميم لكنها- لا تصب في تأصيل قضية التعريف العام بمنهج تفكيرنا كعرب وكمسلمين، ولم تتسع لتشكل مجرى ثقافيا عاما في الأمة؟ وهل يمكننا القول بأن العقل العربي والمسلم ذو تشكيلة خاصة لم تتجاوز بعد مرحلة الاستنباط حتى في تعاطيها في السنن الكونية والاجتماعية؟ حول هذى المفردات تدور هذى المقالة. يرى د/ عمر عبيد حسنة أن هناك قوانين وسننا، تحكم حركة التاريخ والاجتماع البشري، لا تتخلف ولا تحابي أحدا، ونحن -المسلمين - نخضع للقوانين نفسها، حيث لا يكفي النظر في النتائج بل لابد من النظر في المقدمات والأسباب التي أنتجتها، حتى يتمكن المسلمون من التحكم بها، وأخذ الحذر من الوقوع فيها، وحتى لا ينتهوا النهاية نفسها.. فالمقدمات نملكها، والنتائج تملكنا. وقد تكون إحدى آفات العقل المسلم اليوم، أننا ندع ما نملكه إلى ما يملكنا. ونذكر أن القاعدة القرآنية والتي لها دقة القوانين الرياضية تقول: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) محمد 38 ولعل هذي صرخة تحذير لأمتنا حتى تستيقظ قبل فوات الأوان, فلقد قاد الركب المجرمون الذين يعيثون في الأرض فسادا, وما فعل الأمريكان بأفغانستان, والعراق وببعض عالمنا العربي عنا ببعيد. نقصد بالمنهج الاستنباطي (بشكل مبسط) : تلك الطريقة من التفكير التي بموجبها يحكم العقل في قضية ما بناء على قانون سابق فهو عقل محكوم ومكبل دائما بأصل يقيس عليه أو بنص ما فهو دائما فرع لأصل، يدور في إطار سابق، وهو ينتقل من القاعدة السابقة إلى إثبات المشاهدة أو التجربة. ومن المجالات التي يصلح لها هذا المنهج: قضايا الفقه التشريعي، في إطار الحلال والحرام، وذلك عند إعمال العقل في النص الديني الموحى به لإدراك أبعاده ومقاصده وتحديد علته، ويتعدى الأمر إلى الأدوات الأخرى مثل القياس (الاجتهاد الفردي) ، والاستحسان، والاستصلاح، والاستصحاب، والخلاصة ههنا أن العقل إنما يتحرك في إطار سابق محكوم ببعض الضوابط التي جاء بها الوحي. نقصد بالمنهج الاستقرائي (بشكل مبسط) : تلك الطريقة من التفكير التي بموجبها يحكم العقل في قضية ما بناء على التجربة والمشاهدة ومن ثم ينتقل من التجربة إلى صياغة القاعدة، فهو منهج يحرر العقل من القيود المسبقة أو المثال. ومن المجالات التي يصلح لها هذا المنهج: قوانين السير في الأرض، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة أوفقه الحياة من علوم مادية وكشف حضاري سواء في مجال العلوم الاجتماعية أو التربوية أو العلمية.

ملاحظات مهمة عرض بعضها د/عمر عبيد حسنة ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت