وبمقدار اتساقها ذاك أثمرت؛ أثمرت شجرة الزقوم.
أما المسلمون فالأصل في حضارتهم أنها تقوم على التسليمية لله والأخروية في القيم، ولكنهم لم يأخذوا بهذه أو بتلك، كالشاة العائرة بين الغنمين، التي ذكرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيمارواه مسلم بسنده عُبَيْدُ اللّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ. تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرّةً، وَإِلَىَ هَذِهِ مَرّةً » .
ويقول عيسى - عليه السلام - فيما ردده التراث الإسلامي: (من الذي يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا) وقيل له: (علمنا علما واحدا يُحبنا الله عليه؟ قال: أبغضوا الدنيا يحبكم الله - تعالى -)
إننا لا يمكن أن ندرك ميزان القيم الصحيح فيما بين الدنيا والآخرة دون أن ندرك أن الإنسان موجود في هذه الحياة الدنيا لا لتستغرقه بمتعها ونعيمها وأهوائها، ولكنه وجد فيها ليقوم برسالة تكليفية؛ رسالة تكليفية بمقتضى نزوله إليها ليكون خليفة، ليبني حضارة وفق تعاليم الله. نعم: عابر سبيل مكلف، وليس عابر سبيل تائها. هذه المهمة التكليفية في هذا العبور هي التي تقتضي ميزانا دقيقا للعلاقة بين الدنيا والآخرة توجب على الإنسان أن يظل على رعاية له في كل لحظة.
في أحد كفتى الميزان: الدنيا مقطوعة عن الآخرة لا قيمة لها
وفي الكفة الأخرى: الدنيا كطريق موصول بالآخرة لها قيمة فاعلة.
ماذا حصل للمسلمين في حساب هذا الميزان؟ يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع ومن بطن لا تشبع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع) . وفي شرح سنن ابن ماجة للسيوطي: قوله من علم لا ينفع أي لا يهذب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة ويحصل بها الثواب الأجل وأنشد:
يا من تقاعد عن مكارم خلقه *** ليس افتخار بالعلوم الزاخرة
من لم يهذب علمه أخلاقه *** لم ينتفع بعلومه في الآخرة
قال الطيبي فيما نقله عنه السيوطي: إعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبنى على غاية وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها فإذا لم ينتفع لا يخلص منه كفاف، بل يكون وبالا، فلذلك استعاذ منه، وأن القلب إنما خلق لأن يخشع لربه، وينشرح لذلك الصدر، ويقذف النور فيه، فإذا لم يكن كذلك كان القلب قاسيا فيجب أن يستعاذ منه، قال الله - تعالى -"فويل للقاسية قلوبهم"، وأن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود والنفس مهما كانت منهومة لا تشبع حريصة على الدنيا كانت أشد عدو للمرء، فأولى ما يستعاذ منه هي، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه ولم يخشع قلبه ولم تشبع بطنه إهـ السيوطي
والحق أن التغير الاستراتيجي الذي أصاب المجتمع الإسلامي كان من هنا: لقد أصبنا بهذه الأربع المستعاذ منها في ميزان الآخرة: لم تكن الكارثة سياسية بقدر ما أنها كانت ثقافية؛ اشتغلنا بالعلم الذي لا ينفع وما زلنا نشتغل به: في المتشابهات، في خلق القرآن، في العلاقة بين الذات والصفات، في العقول العشرة، في الجبر والاختيار، في الحقيقة المحمدية، والحكومة الباطنية، في رجعة الأموات في الدنيا، في صفة البراق وعدد أجنحته، إلخ وأصبنا بالبطن التي لا تشبع.
جاء في كتاب التواضع والخمول لابن أبي الدنيا بسنده عن يحيى بن عقيل قال: قال: علي بن أبي طالب لعمر رضي الله - تعالى -عنهما: إن أردت اللحوق بصاحبيك فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، وأخصف النعل تلحق بهما.
وفي فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سفيان قال: قال رجل لعلي: إن أردت أن تكون مثل عمر فاخصف نعلك وشمر ثوبك وكل دون الشبع.
وفي المعجم الكبير للطبراني بسنده عن عكرمة عن بن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة غدا.
وفي الآحاد والمثاني: بسنده عن عمرو بن الأسود العنسي رضي الله - تعالى -عنه أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر.
وفي لسان الميزان لابن حجر العسقلاني: بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قالت عائشة رضي الله - تعالى -عنها"أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فان القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم"أخرجه البخاري في الضعفاء.
وهذا الحديث وإن كان ضعيفا من ناحية سنده، لكن معناه يتفق مع تطور المجتمعات، وربما كان العكس صحيحا أيضا وهو أن القوم لما جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا نتيجة اختلال في ميزان القيم لديهم أشبعوا بطونهم.
يقول أبو طالب المكي: (مثل البطن مثل المزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار إنما صوته لخفته ورقته، لأنه أجوف غير ممتلئ، وكذلك الجوف إذا خلا.. )
وهكذا الجوف كالمزهر إذا امتلأ: لا صوت. !
وروي أن عيسى - عليه السلام - مكث يناجي ربه أوقاتا طويلة، لم يأكل فيها، فخطر بباله الخبز، فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف بين يديه، فجلس يبكي؛ علام يبكي وقد جاءه الخبز؟ هذا سؤال يطرحه أهل البطون، أما عيسى - عليه السلام - فقد بكى، بكى على فقد المناجاة،، إذ أدرك خطر الانشغال بالحصول على الرغيف. هذا الانشغال الذي نتمرغ في أوحاله صارفا للجمهور عن كل مشروع للإصلاح.
وهذا يطرح السؤال الآتي: ما فائدة الجوع الإرادي عند من يمارسونه وهم قادرون على الشبع كما هو شأن الدرس الرمضاني؟
من فائدته فيهم زوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله.
من فائدته فيهم: ألا ينسى الواحد منهم بلاء الله فلا ينسى أهل البلاء.
من فائدته فيهم: كسر شهوات المعاصي والسيطرة على النفس الأمارة بالسوء.
على كل حال لقد أصبنا بهذين المرضين: علم لا ينفع، وبطن لا تشبع، وعندما يصاب المرء بهذين المرضين فإنه يصاب بعد ذلك بالقلب الذي لا يخشع وبالعين التي لا تدمع. وفي النهاية: بالجوع الذي لا يردع
ومن هنا اجتمعت لنا أسباب التأخر والانحطاط.
إن سر تأخر المسلمين لا يكفي أن نقول فيه: إنه البعد عن كتاب الله وسنة رسوله،
لأننا لو اكتفينا بهذا الجواب ستظل الدهشة عالقة بأذهان الكثيرين منا، إذ يرون أن الغالبية الساحقة منا تردد هذا السبب، والكثيرون منهم يتمنون الأخذ بالكتاب والسنة، حلا لمشاكلنا، ويبقى السؤال بعد ذلك قائما: ما السر في أننا لا نقتحم هذا الحل ونأخذ به فعلا؟
في أعماقنا أنا لا نريد.
والسر في هجران الآخرة كمنهج عملي
والله أعلم
[1] تخويف.. ص 230
[2] أنظر إحياء العلوم ج3 ص 210
حوار الحضارات الجذور والتاريخ
شهد العالم في الخمس والعشرين سنة الأخيرة العديد من التغيرات الأيدلوجية التي دفعته إلى حقبة جديدة وشكل غير مسبوق من الصراعات والحروب والتدمير وتحول العالم عبر انهيار سور برلين وسقوط الشيوعية بعد أن كان ثنائي الأقطاب [بتوازن القوى بالاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية] إلى عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة الأمريكية التي تشهد نهضة حضارية قوية خاصة في مجالات العلوم المختلفة والتكنولوجيا ولعل هذا المشهد لا غرابة فيه أما المشهد الذي يليق به الاستغراب حقا فهو مشهد العالم وهو يعيش فترة سيطرة أحادية القطب [الولايات المتحدة الأمريكية] .