فمدارسهم بشتى موادهم تربي على الكره العميق للمسلمين ، يشحن الطلاب فيها بروح العداء ، وتملأ صدورهم بأنفاس البغضاء ، فيخرج الطالب من مدارسهم صهيونيًا عنصريًا عدواني النزعة ، ضيق الأفق ، رافضًا للحوار ، يشعر أن حياته مرهونة بموت الآخرين ، ولسلام الأمتين اليهودية والنصرانية لا يفتأ يجرم المسلمين سلفا ، ويلصق بهم كل نقيصة ، ويرمهم بكل تهمة ، فهم فيه لصوص وقطاع طرق ، وقتلة وقذرون وحاقدون متخلفون ... وبعد هذا الإيغال في دروب العداوة يقولون لماذا لا تربونهم على حب الحضارة الغربية وأهلها ، وهم في حقيقة الأمر يريدون منا أن نربيهم على الاستسلام والخنوع: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) ) (الممتحنة:1) .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه.
إن القرآن والمنهج الإسلامي في التربية يربي على العدالة والإنصاف مع أصحاب الديانات الأخرى يقول عزوجل: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (الممتحنة:8-9) .
نعم فرسول الله صلى الله عليه وسلم بر بجاره اليهودي ، وتعايش معه اليهود في المدينة ووفى إليهم بعهودهم ، وعاملهم بالتجارة ، وتحاور مع نصارى نجران راسل نصارى الحبشة والشام ، ودعاهم دعوة رقيقة ، ولكنهم لما بادله اليهود بغدر بين قريضة واعتداءات بني قينقاع وغيرهم ، نبذ إليهم على سواء ، وقاتلهم فأخزاهم الله على يديه ، ولما غدر الروم برسوله سير إليهم جيش مؤتة وخرجت إليهم جيوش اليرموك ، فالإسلام دين قوة وعدل دين عزه وإنصاف وهذا لا يرضيهم ، إنهم يريدونه دين خضوع واستسلام ، وأي تحرك يعبر عن قوة المسلم وأنفته وإبائه العظيم ينعتونه تطرفا وأصولية وإرهابا ، ويتابعهم على ذلك همج المخدوعين الذين يسمون أنفسهم مثقفين ، ويروجون لثقافة الهوان والصغار والإخذاء ... دين الله عز وجل وتعليمه في المدارس ليس هو الذي يصنع الإرهاب ولكنه على عكس ذلك هو الذي يوجد الحكمة ويكبح جوامح النفس الصائلة ، إنه يُكَّون المسلم المأمور بالإحسان ليس إلى إخوانه في الدين ولكن إلى البشرية جمعاء بل إلى الحيوان والطيور وإلى الأشجار ، والماء إن الله كتب الإحسان على كل شي ولن تجد خريجًا واحد تضلع بالعلم الشرعي ثم خرج نزاعًا للجريمة والبطش بل هم أعف الناس وأكرم الناس وفي المقابل من ذلك فخريجوا جامعات الصليب هم أصحاب مقتلة هروشيما ومذابح البلقان وإخوانهم اليهود الذين درسوا معهم في الجامعات نفسها هم أصحاب صبرا وشتيلا والخليل فأي المناهج التي احترفت صناعة الإرهاب علمائهم الذين يحثون على الانضباط والعدل والقسط والفئات الدينية في اليهود هم الذين رشحوا شارون لقيادة عصابتهم وهم الذين يشجعونه جرائمه ويدفعونه بنصوص كتبوها بأيدهم ثم قالوا هي من عند الله .
واقع الأسرة في الغرب
إن عرى الإسلام تنقضْ، وقواعدهُ تهدمْ، ونظمهُ تستهجنْ، إذا نشأ في الإسلامِ من لم يعرف ما عليه أهل الجاهليةِ مِن ضلالٍ وانحرافٍ، ولذا يقولُ أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطابِ- رضى الله عنه-: ( إنما تنقضُ عُرى الإسلامِ عروةً عروة إذا نشأ في الإسلامِ من لم يعرفِ الجاهلية ) .
لأن من لم يعرف الجاهلية لا يمكن أن يدرك عظمة النعمة التي يعيش فيها، ويتنعمُ بها، ويتصور أن أهل الجاهلية في سعادةٍ وهناء، وكما قال القائل:
فالضدُ يظُهر حُسنهُ الضدُ وبضدها تتميزُ الأشياءُ .
ومن هنا تأتي أهمية معرفة واقع الأسر الغربية، التي مازال بعض المحسوبين على أمتِنا لا يُخالجُهم شكٌ أبدا في أن طريق الغرب هو الطريق الأمثل، مهما بدا للآخرين من معالم تُنِذرُ بعمقِ الهاويةِ، وسوءِ الخاتمة، فإلى هؤلاءِ وغيرهم ممن تطرقتْ إليهم بعض العادات الغربيةِ، والتقاليد الإفرنجية، وإلى المعجبين بواقع الغرب وبهرجِه، وحضارتِه وزهرتِه، أُبين لهم واقع أولئك من خلالِ أقوالهِم هُم، واعترافاتهِمْ بواقعِ حياتهم .
لقد أضحت الأسرة في المجتمعات الغربية مفككة الأوصال، واهية العُرى، فهي أوهن من بيت العنكبوت، رغم تقدمِ المدنية والعمران فيها، وذلك لأنها فقدت الكثير من مقوماتهِا، التي كان لها أفدح الآثار في زلزلة دعائم المجتمع الغربي، بصورةٍ أزعجتْ كبار المسؤولين، فهذا مجلسُ الشيوخِ الأمريكي كما جاء في تقريرٍ خطيرٍ، وقد هاله انتشار الجريمةِ بين الطلاب، يُكّون لجنةً من أعضائه لبحث هذِه المشكلة بحثًا شاملًا، وتقدم تقريرا عنها، وقد عزا التقرير أسباب ذلكم التحلل الخُلقي، إلى التغييرِ العميق الذي طرأ على الأسرة فأفقدها الاستقرار، وأدى بها إلى الانهيار فضلًا عما لوحِظ من استهتار الآباءِ بالقيمِ والقانونْ، فلم يعد الطفل يجد البيئة الصالحة ذات العرف الاجتماعي، والتقاليد الفاضلة.
إن من المؤلم أن لا ينظر المسلم لتلك المجتمعات إلا بعين واحدةٍ، فلا يرى إلا التقنية والصناعة، والتقدم المذهل في كل المجالات، بينما يغض الطرف عن الفساد الاجتماعي، والتفسخ الأسري، وفي الوقتِ الذي ترتفع فيه الأبواق في مجتمعاتِنا، وتنادي باتباعِ الغرب واقتفاءِ أثره بكل ما فيه من سلبياتٍ وإيجابيات، نسمعُ صرخات التحذير من انهيار الحضارة الغربية وسقُوطِها تنبعث من عمق المجتمعاتِ الغربية، والكافرة نفسِها.
يقول بابا الفاتيكان جون بول الثاني: معلنا صرخة إنذار وتحذير من انهيار الحضارة الغربية: ( إن على أمريكا أن تعالج مشكلتها الأخلاقية، وإذا لم تستطيع فعل ذلكْ فإنها سوف تفقد روحها، وفقدان الروح يعني الموت ) [1] .
وتقول الصحفية الأمريكية: ( هليسيان ستانسبري ) بعد زيارةٍ قامتْ بها للقاهرة: ( إن المجتمع العربي المسلم مجتمع كامل وسليم، ومن الخليقِ بهذا المجتمع أن يتماسك بتقاليدِه التي تحكم حرية الفتاة، وتمنع الاختلاط، إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا قد جعلت منهم عصابات أحداث، وعصابات للمخدرات والرقيق، إن الاختلاط والإباحية والحرية في المجتمعِ الأوروبيِ والأمريكيِ قد هددتْ الأسرة وزلزلت القيم والأخلاقَ !!) [2] .
ولعلك يا أُخي أدركت حقيقة الأسرة الغربية، وأن بنيانها قائمٌ على شفا جرفٍ هار، وبريق حضارتها إنما هو كسرابٌ بقيعةٍ يحسبُه الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءُه لم يجدهُ شيئًا .
ولعلك أدركت أيضًا أننا في نعمةٍ عظيمةٍ من الله، وذلك بأن جعلنا من أتباعِ هذا الدين، وجديرٌ بكل مسلم أن يرجع إلى كتاب ربه وسنة نبيه ليعرف عظمة نعمة الله تعالى علينا بالطمأنينة والأخوة، والترابط والمحبة في ظل عقيدة التوحيد الخالدة .