فهرس الكتاب
-ومن الأمثلة أيضًا على الاختلاف ، إحرامها للحج والعمرة في بعض الأحكام، وفي عدم وجوب الجهاد عليها ، وفي اختلاف أحكام الميراث والنفقة وجعل الطلاق بيد الرجل في الأصل ، وتقديمها في الحضانة في الجملة ، وفي تحريم الخلوة بها ، وفي تحريم التبرج ، وعدم قبول شهادتها في الحدود والدماء.
-وهذا كله على سبيل المثال ، وإلاّ فثمة أحكام كثيرة غير هذه قد أجمع العلماء على أن المرأة لا تتساوى فيها والرجل ، كما دل على ذلك صريح قوله سبحانه وتعالى: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } (آل عمران:36) .
-وأما العولمة فإنها كما ترفض التمييز بين الناس على أساس الإيمان والكفر ، ترفض أيضا التمييز بين الرجل والمرأة ، مناقضة لأحكام الشريعة الإسلامية التي بنيت على أساس التقسيم الوظيفي بين الرجل والمرأة في المجتمع ، وأن دور كل منهما مكمل لدور الآخر في النظام الاجتماعي الإسلامي ، بناء على أساس أن التكوين الخلقي للمرأة يختلف عن الرجل ، وأن مؤهلاتها واستعدادتها الفطرية تقتضي توليها دورًا ما في المجتمع يختلف عن دور الرجل ، وهو الدور الأسري .
-إن الحقائق العلمية لتؤكد الفرق البيولوجي الأساس بين الجنسين ، ولا بأس أن أستشهد هنا بما أورده مؤلفا كتاب جنس الدماغ ( B صلى الله عليه وسلم ainsex ) الدكتور في علم الوراثة (( آن موير ) )و (( ديفيد جيسيل ) )، وهو في الحقيقة مؤلف اشترك فيه أكثر من (25) اختصاصي على رأسهم رائدة علم الفروق الدكتورة (( كوراين هت ) )، لأنهما نقلا نتيجة إجابات كل هؤلاء الأخصائيين في الكتاب.
-يقول مؤلفا الكتاب في المقدمة: (( تمت صياغة المادة الأساسية لهذا الكتاب من أبحاث قام بها علماء كثيرون من جميع أنحاء العالم ) )..ثم قالا في وصف دقيق للحقيقة التي توصلا إليها بعد أبحاث مضنية (( الرجال مختلفون عن النساء،وهم لا يتساوون إلاّ في عضويتهم المشتركة في الجنس البشري .. والادعاء بأنهم متماثلون في القدرات والمهارات والسلوك تعني بأننا نقوم ببناء مجتمع يرتكز على كذبة بيولوجية وعلمية ، فالجنسان مختلفان ، لأن أدمغتهم تختلف عن بعضهما ، فالدماغ وهو العضو الذي يضطلع بالمهام الإرادية والعاطفية في الحياة،قد تم تركيبه بصورة مختلفة عند كل منهما،والذي ينتج عنه في النهاية اختلاف في المفاهيم والأولويات والسلوك ) ).
-وإنما أطلت في هذا المثال ، لأن حمى مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أضحت موجة آخذة في الصعود في الخليج ، متساوقة مع تنامي الدعوة إلى العولمة الثقافية والفكرية ، ولأنها قضية بالغة الخطورة ، لأن الغرب يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي في المجتمعات الخليجية وفقًا للمفاهيم الغربية .
إنه مثال واضح لما تفرضه العولمة من مبادئ وتشريعات تناقض الشريعة الإسلامية ومبادئها .
رابعًا: تهديد العولمة للأخلاق الإسلامية:
-كما أن العولمة تهدد النظام الأخلاقي الإسلامي ، فمن خلال العولمة يروج للشذوذ الجنسي ، ويحاول الغرب استصدار قوانين لحماية الشذوذ الجنسي في العالم .. ومن أحدث محاولات العولمة محاولة فرض مصطلح جديد يطلق عليه (Gende صلى الله عليه وسلم ) بدل كلمة ( sex ) ، يقول الدكتور محمد الركن في مجلة المستقبل الإسلامية: (( ومن المسائل الجديد المستحدثة التي تحاول بعض المنظمات والحكومات الغربية فرضها وإلزام شعوب العالم الأخرى بوجهة نظرهم فيها مسألة تعريف الجنس والأسرة ، ومما حداني للحديث حول هذا الموضوع ما شاهدته في المستندات الرسمية ، فقد تمت ترجمة الجنس الغربي إلى مصطلح(Gende صلى الله عليه وسلم ) باللغة الإنجليزية ، وهي تنم عن عدم إلمام بما يسعى إليه الغربيون في فرض ثقافتهم على الآخرين ، فلفظة الجندر لا تتطابق تمامًا مع لفظة ( sex ) ، بل إن لها أبعادًا خطيرة قلما نتنبه إليها .
-والموسوعة البريطانية تعرف الجندر بأنه: (( تقبل المرء لذاته ، وتعريفه لنفسه كشيء متميز عن جنسه البيولوجي الحقيقي ) ).. فهناك من الأشخاص من يرون أنه لا صلة بين الجنس والجندر ، إذ أن ملامح الإنسان البيولوجية الخارجية الجنسية مختلفة عن الإحساس الشخصي الداخلي لذاته أو للجندر.. بعبارة أخرى أكثر تبسيطًا ، فإن الجندر بعبارتهم تنصرف إلى غير الذكر والأنثى كجنسين فقط، ونحن لا نعرف ولا نقر في ديننا وثقافتنا إلاّ بهما ، فالجندر تشمل الشاذين جنسيًا من سحاقيات ولواطيين ومتحولي الجنس ، إذ أنها ترتبط بتعريف المرء لذاته وهويته وليس بجنسه البيولوجي .. ومن هنا تأتي خطورة المسألة ، ولهذا نرى في المؤتمرات الدولية تسابقًا محمومًا من المنظومات الغربية وبعض الحكومات الغربية ، وخصوصًا الأوربية لفرض لفظ ( Gende صلى الله عليه وسلم ) بدل لفظ ( sex ) التي تنصرف إلى الذكر والأنثى فقط ، وذلك عند الحديث عن حقوق الإنسان أو محاربة التمييز ضد الإنسان أو تجريم أفعال ترتكب ضد الإنسان )) .
خلاصة
وبعد هذا العرض لمخاطر العولمة ، لا يبقى مجال للشك أن الموقف الواجب تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي الانتقائي بحذر، حفاظًا على عقيدة الأمة وهويتها وأخلاقها من عبث العولمة الفكرية والثقافية.. ولا يتم ذلك إلاّ بإحياء مشروع نهضوي ثقافي شامل يعيد للأمة ثقتها بثقافتها واعتزازها بتاريخها وفخرها بهويتها ، على أساس الالتفاف حول الإسلام النقي الخالص من شوائب الموروث المتخلف ، بفهم صحيح يضع الثوابت والمتغيرات في مواضعها الصحيحة ، ويوجه الاجتهاد الشرعي العصري توجيهًا سليمًا جامعًا بين الأصالة والأسس السلفية ، والاستفادة من المعاصرة النافعة ، وسطًا بين الغلو والإجحاف .. ذلك أن الموقف الرافض المنكفئ العاجز عن التعامل مع حقبة العولمة ، يحمل من المخاطر على الأمة المسلمة وطمس هويتها وتوهين قيمها وعزلها عن الواقع العالمي الشيء الكثير ، لذلك لابد من التفكير بامتلاك الوسائل القادرة على حماية الأمة ، والإفادة من وسائل العولمة وطروحاتها لتقديم البديل الإسلامي على المستوى العالمي .
كما لابد من تفعيل كل جهود الوحدة التي تقرب الأمة ، حكومات وشعوبًا، من بعضها ، وتقرب الحكام من الشعوب والشعوب من الحكام ، وتصلح بين السياسة والثقافة ، والحكام والعلماء، وتجمع بين الكتاب والميزان والحديد ، لتعود هذه الأمة إلى مجدها من جديد .. حيث تتمكن من حشد قواها التي تمكنها من استئناف دورها في إلحاق الرحمة بالعالمين.
هذا وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
كيف تسللت الليبرالية إلى العالم الإسلامي ؟
الدكتور بسام البطوش
البحث منقول بتصرف يسير من كتاب
"الفكر الاجتماعي في مصر"
للدكتور بسام البطوش
بسم الله الرحمن الرحيم