إن هذا التعريف للتأريخ يدهشنا ، إذ هو تعريف له كما نفهمه نحن اليوم ، بل كما يفهمه أنصار الحركة التجريدية الذين حملوا حملة شعواء في مؤتمر سنة 1950 بباريس ، على من بقي من المؤرخين متمسكا بالطريقة التقليدية في رواية الحوادث واعتبار التأريخ يكفي أن يكون سجلا لها . فابن خلدون يريد عكس ذلك ، فهو يريد أن يجعل من التأريخ أداة كشف عن سر"الاجتماع الإنساني"، وعن خروج هذا الإنسان من"التوحش"إلى"التأنس"بفضل الله ، ثم بفضل الصراع الجدلي الذي يعبد سبيله ، عبر عقبات متجددة ، نحو إنسية أكمل ، عن طريق الرقي المستمر الناشئ حتما عما"ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع"
(1) ابن خلدون المقدمة ص57 طبعة بولاق .
(2) د. محمد الطالبي: مقال التاريخ ومشاكل اليوم والغد عالم الفكر عود 1 \ م5 \ الكويت (إبريل) 1974
وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال"، وطبيعة الأحوال هذه التي يشير إليها ابن خلدون ، ويعتبرها القانون الذي بمقتضاه يسير التطور الضروري الذي لا يعاند ، إنما هي سنة الله التي توجه شراع الخليقة ، لينة تارة ، عنيفة أخرى ، والتي أشار إليها القرآن في أكثر من آية ، وهكذا يصبح التأريخ ، استكشافا كليا لتطور الإنسان ، ومحاولة حل للغز وضعه اليوم في هذا الكون ، ولمصيره العاجل أو الآجل ."
ولئن كان ابن خلدون لم يطبق كثيرا من آرائه هذه الطموحة الجريئة في كتاب العبر ، فإن ذلك لا يسلب فضل التعبير عنها بغاية الدقة والوضوح . فإنه كان من المستحيل علميا- لا سيما في زمانه ، تطبيقها من طرف باحث واحد ، في موسوعة فتحت صفحاتها لتاريخ العالم الإسلامي بأكمله - ولعل استعصاء تطبيق هذه الآراء في كتاب (العبر) هو الذي جعل ابن خلدون يضمن خلاصة أفكاره وعبره واعتباراته خاصة في (المقدمة) .
وهكذا فتح أبوابها للاجتماع والاقتصاد والمؤسسات ، وضروب الثقافات والعلوم . لأن كل ذلك إن لم يكن تاريخا صرفا بالمعنى الضيق ، فلا غنى للمؤرخ عنه ، ولا سبيل لفهم الإنسان بدونه .
وهكذا كان ابن خلدون عملاقا ، يقف متفردا ، كحد فاصل بين مرحلتين متميزتين في المنهج التأريخي ، وقد أعطى بهذا المنهج المتفرد سبقا للحضارة الإسلامية ، التي كان لها الفضل الكبير في الانتقال بالتأريخ من مرحلة الجمع إلى مرحلة التفسير ، ومن منهجية التوثيق إلى منهجية التمحيص والتركيب الفلسفي الذي يمثل مرحلة جديدة في الرشد العقلي للإنسانية كلها .
بين الوجود التاريخي والوجود الحضاري
الظاهرة الحضارية في القرآن والسنة
الدكتور \ عبد الحليم عويس (1)
بين الوجود التاريخي والوجود الحضاري:
إن ميلاد الحضارة لا يعني أن أمة ما قد ظهرت - فجأة - في التاريخ ، فإن هذا الوجود التاريخي للأمم إنما هو فعل قدري بحت لا يملكه إلا خالق الوجود سبحانه وتعالى .
وإنما يقصد بميلاد الحضارة ظهور إرادة بشرية وجدت لديها عناصر الانطلاق والإبداع ، فسعت إلى أن تقوم بدور حضاري ، مستعلية على مجرد وجودها التاريخي الذي تشترك فيه معها سائر الكائنات النباتية والحيوانية .
إن هذا الوجود التاريخي هو وجود عام لا فضل فيه للإنسان ، وهو لا يحتاج في استمراريته في المستوى الأدنى إلا لتعبير غريزي عن الحاجات الضرروية يشبه أن يكون في مستوى التعبير الحيواني عن حاجاته ، وأساليب الإنسان قد لا تختلف كثيرا عن أساليب الحيوان في توفير هذه الحاجات والاستجابة لها .
أما الوجود الحضاري فهو وجود مختلف تماما عن هذا الوجود سواء في إطار (درجاته ) أو في إطار (أساليب ) التعبير عن هذه الحاجات والاستجابة لها .
(1) أستاذ مشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. من مواليد مصر 1943. عمل بمركز بحوث المناهج بالكويت ومحاضرًا بكلية الشريعة بالرياض. له أكثر من عشرين مؤلفًا وعدد من الكتب المحققة. قام بالإشراف على تحرير بعض المجلات العلمية والصحافية وله مشاركات في كثير من المجلات العربية والإسلامية. حضر أكثر من ثلاثين مؤتمرًا إسلاميًا في أنحاء العالم واختير أمينًا عامًا لبعضها، وشارك في الإعداد لبعضها . زار معظم أنحاء العالم العربي والإسلامي . من أهم كتبه: دولة بني حماد في الجزائر، وابن حزم الأندلسي مؤرخا، ودراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية. وسلسلة الملف الفقهي (في كتب) والإسلام كما ينبغي أن نؤمن به. وغيرها من البحوث والدراسات.
إن هذا الوجود الحضاري يقوم بدرجة أساسية على الإنسان نفسه ، فإليه - بإرادته ووعيه ، وحركته - يعزى الفضل الأول في القيام بأية حضارة إنسانية ، وذلك - بالطبع - بعد عون الله وإذنه .
إن الحضارة الإنسانية هي تعبير فطري عن حاجة إنسانية يتميز بها الإنسان من سائر الكائنات ، ففي داخل كل إنسان - فردا أو جماعة - حاجة تلح عليه وتؤكد له . . . عبر عدد من النوازع والسلوكيات أنه شيء متميز عن الكائنات الأخرى إنه يحس باختلافه عن مستواها ، ويحس بأنه قادر على ما لا تستطيع هي أن تقدر عليه ، ويحس بأنه يستطيع أن ( يسمو ) لدرجة لا تستطيع الكائنات التي تشاركه في الأرض أن تصل إليها .
-ليكن هذا الشيء المتميز روحا تشعره بالعلو . . . وبنفحة إنسانية خاصة ، أو ليكن هذا الشيء عقلا يعقل ويتسع لرؤية الماضي واستشراق المستقبل حيث لا يستطيع غيره من الكائنات أن يمد الطرف إلى الماضي أو المستقبل .
-ليكن هذا أو ذاك ، فالمهم أن ( الحضارة ) - أي الاستعلاء فوق الوجود المادي التاريخي - هي شيء فطري يحس به الإنسان في كيانه الداخلي ، ولعلي ألمح هذا الشيء - بصورة ما - في قوله تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } (1) وقوله: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } (2) .
(1) سورة الأحزاب الآية 72
(2) سورة الأنعام الآية 165
منظومة بناء الحضارة وعناصرها الثلاثة:
إن بناء الحضارة هو قرار إنساني يعتمد على الإنسان والفكر ، ثم الأشياء ، وبالتالي فصناعة الإنسان للحضارة - عندما تتوافر لديه الإرادة والوعي - تحتاج لثلاثة عناصر أساسية لا غنى لواحد منها عن الآخر:
1 - ( إنسان ) مؤهل للقيام بالدور الحضاري المطلوب ، معد نفسيا وأخلاقيا لتحمل المسئولية ، ويدخل في عنصر الإنسان ( الزمان ) باعتبار الإنسان حقيقة زمانية ، لا تنفصل عن الزمان ، ووجوده وجود زماني بدرجة كبيرة .
2 - ( فكر ) يقود خطوات الإنسان ويلهمه ويدفعه إلى التضحية والإيثار وقد يسمي بعضهم هذا الفكر بالعقيدة ، ويسميه آخرون بالثقافة ، أو الجانب المعنوي للحضارة .
3 - ( أشياء ) يستطيع الإنسان أن يجد فيها المواد الخام المادية التي يبرز من خلالها فكره ، وقد يسمي بعضهم هذه الأشياء بالجانب المادي في الحضارة ، أو يطلق عليها بعضهم مصطلح ( المدنية ) ويسميها بعضهم ( بالأرض أو التراب ) (1) .
وهكذا فلا حضارة إنسانية إلا بهذه المنظومة الثلاثية (2) :
1 -إنسان ( كينونة وزمان ) .
2 -فكر ( عقيدة وثقافة ) .
3 -أشياء ( التراب ورأس المال وشتى العوامل المادية ) .