فهرس الكتاب

الصفحة 1749 من 2255

ويفسر المستشرق البريطاني المعاصر (مونتجمري وات) قدرة المسلمين على احتواء الثقافات الأخرى والتفوق عليها، باعتقادهم العميق بأنهم أفضل من الآخرين ولقد"أرتبط بعض هذا الاعتداد بالنفس بالإسلام، الذي اعتبره المسلمون أعلى وأنقى صيغة من صيغ عبادة الله، ولم يؤكد هذا التعالي بصخب بحيث يثير شعورًا بشك، بل مضى بهدوء واستمرار"ولقد كانت"عملية استيعاب حكم وعلوم الآخرين عميقة جدًا؛ إذ كان على الأناس الذين تعلموا في وقت ما التقاليد الفكرية السابقة، وأصبحوا مسلمين أن يصهروا بطريقتهم الخاصة معلوماتهم السابقة ضمن الدراسات القرآنية، وقد اندمجت مساهماتهم هذه في المجرى الرئيس للتفكير الإسلامي، وبهذا الأسلوب تكوّنت حضارة إسلامية مستقلة" (23) وهو يلحظ كيف أن المعرفة الإسلامية المستقلة هذه"أعطت أوروبا مفهومًا جديدًا للعالم حيث حفز العلم الاهتمامات العلمية فانبثقت عنها نظرة كونية وميتافيزيقية أوسع. وعلى الرغم من أن الدراسات الدينية (النصرانية) لا تستند إلى الدراسات الكونية إلا أن الإنسان لا يستطيع ان يتحمل لفترة طويلة التناقض الجذري بين الكون الذي يحيا فيه وبين معتقده الديني، لذلك بدأ رجال الدين الأوربيون بالتوفيق بين الدين المسيحي والعلوم (الإسلامية) الجديدة" (24) .

وثمة ـ أخيرًا ـ تلك الملاحظات القيمة التي قدمها المفكر البريطاني (روم لاندو) بصدد الموضوع، فهو يقارن ـ مثلًا ـ بين حركة العلم الغربي والإسلامي، ويرى أن أولهما

انفصل، منذ عصر النهضة، انفصالًا أشد وضوحًا عن الدين، أو بتعبير آخر، تابع العلم سبيله غير ملتفت إلا قليلًا إلى مطالب الأخلاق وعلم الأخلاق. ففيما كان الإنسان في الغرب يكتسب معرفة متنامية أبدًا بالكون الطبيعي، وسيطرة متعاظمة عليه، كان تقدمه الأخلاقي يتخلف

متلكئًا. وبتحرير العلم في القرون الوسطى من سلطان الكنيسة، لم يفصل الغرب العلم عن العقائد الدينية فحسب، بل فصله عن مفاهيم الإيمان والقيود الأخلاقية الملازمة لها أيضًا.

أما العلم الإسلامي فلم ينفصل عن الدين قط. والواقع أن الدين كان هو ملهمه وقوته الدافعة الرئيسية. ففي الإسلام ظهرت الفلسفة والعلم معًا إلى الوجود .. لإقامة الدليل على

(الألوهية) وتمجيدها. ومن هنا فليس عجيبًا أن يكون العلم الإسلامي لم يجرد في أيما يوم من الأيام من الصفات الإنسانية ـ كما حدث في الغرب ـ ولكنه كان دائمًا في خدمة الإنسان (25) .

ويذكر (روم لاندو) بالمعرفة البدائية للعرب قبل الإسلام، وكيف أنهم أحرزوا خلال مئتي سنة انقضت على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس غير، ذلك التقدم الثقافي الشامل العميق الذي يدعو إلى الذهول حقًا. وهو يذكر كذلك بأن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمائة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يُدعى حضارة (مسيحية) . ثم يتساءل عن الدوافع الرئيسة التي تكمن وراء الظاهرة فيجد من بينها: رغبة متقدة في اكتساب فهم أعمق للعالم كما خلقه الله .. قبول للعالم المادي، لا بوصفه دون العالم الروحي شأنًا ومقامًا، ولكن بوصفه صنوًا له في الصحة والرسوخ.. كان كل ما في الوجود صادرًا عن الله .. كاشفًا عن قدرته، ومن هنا فهو جدير بالتأمل والدرس. ثم لا يلبث (لاندو) أن يخلص إلى النتيجة التالية:"في الإسلام لم يول كل من الدين والعلم ظهره للآخر ويتخذ طريقًا معاكسة. لا. والواقع أن الأول كان باعثًا من البواعث الرئيسية للثاني" (26) .

ومرة أخرى .. فإن"الحقيقة التاريخية التي لا ريب فيها هي أن المسلمين وفقوا،"

طوال خمسة قرون كاملة، إلى القيام بخطوات حاسمة في مختلف العلوم من غير أن يديروا ظهورهم للدين وحقائقه، وأنهم وجدوا في ذلك الانصهار عامل تسريع وإنجاح، لا عامل تعويق وإحباط" (27) ."

الهوامش

(1) ينظر على سبيل المثال: د. فيليب حتي ورفاقه: تاريخ العرب المطول، دار الكشاف، بيروت ـ 1965 م، الطبعة الرابعة.

(2) الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، تحرير فون غرونباوم، ترجمة د. صدقي حمدي، مكتب الدار المتنبي، بغداد ـ 1966 م، ص 74.

(3) المرجع نفسه، ص 79 ـ 80.

(4) المرجع نفسه، ص 80 ـ 81.

(5) إنسانية الإسلام، ترجمة د. عفيف دمشقية، دار الآداب، بيروت ـ 1980 م، ص 425.

(6) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارك الحديثة) ، دار المعارف، القاهرة ـ 1978 م، ص 14.

(7) مختصر دراسة للتاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ـ 1960 ـ 1965 م ، 1 / 241.

(8) الإسلام، ترجمة د. خليل الجر، المنشورات العربية، بيروت ـ 1977 م، ص 102.

(9) الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1965 م، الطبعة السادسة، ص 70 ـ 71.

(10) تراث الإسلام، تصنيف شاخت وبوزورث، ترجمة محمد زهير السمهوري ورفاقه، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ـ 1978 م، 1 / 101.

(11) الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، ص 123.

(12) المرجع نفسه، ص 141.

(13) الشرق الأدنى: مجتمعه وثقافته، تحرير كويلر يونغ، ترجمة د. عبد الرحمن محمد أيوب، دار النشر المتحدة، القاهرة ـ بدون تاريخ، ص 174 ـ 175.

(14) دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة د. إحسان عباس ورفاقه، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1964 م ، ص 3 ـ 4.

(15) الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية، ص 53.

(16) المرجع نفسه، ص 38 ـ 39.

(17) حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ـ 1956 م، الطبعة الثالثة، ص 318.

(18) عن: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ـ 1968 م، الطبعة الثالثة، 1 / 54.

(19) شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال الدسوقي، المكتب التجاري، بيروت ـ 1964 م، ص 393 ـ 394.

(20) المرجع نفسه، ص 530.

(21) الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة.. بحوث ودراسات إسلامية، تأليف جماعة من الباحثين، جمع وتقديم محمد خلف الله، القاهرة ـ 1962 م، الطبعة الثانية، ص 232.

(22) الشرق الأدنى: مجتمعه وثقافته، ص 7.

(23) تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة د. عادل نجم عبو، دار الكتب، الموصل ـ 1982 م، ص 18.

(24) المرجع نفسه، ص 124.

(25) الإسلام والعرب ، ترجمة منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1977 م، الطبعة الثانية، ص 280 ـ 281.

(26) المرجع نفسه، ص 246.

(27) المرجع نفسه، ص 281.

الشرق الأوسط الكبير

د. محمد مورو 11/1/1425

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت