ويقول (موريس بوكاي) المفكر الفرنسي المعروف بأن"الإسلام قد اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان. فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءًا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا" (6) .
ويلحظ المؤرخ البريطاني المعاصر (أرنولد توينبي) كيف أن الإسلام"وفق فيما أخفق"
فيه سابقوه؛ لأنه استكمل عملية طرد الهلينية من العالم السوري. كما عاد فأدمج في الخلافة العربية، الدولة العالمية السورية التي اختزل اسكندر الأكبر حياتها بقسوة قبل أن تستكمل رسالتها .. وأخيرًا منح الإسلام المجتمع السوري ـ بعد انقضاء قرون من توقف حيويته ـ على أن يسلم الروح، وهو متأكد أنه لن يزول دون أن يخلق عقبًا؛ إذ غدت العقيدة الإسلامية اليرقة التي بزغت عنها في حينها الحضارتان العربية والإيرانية" (7) ."
ويعاين المستشرق الفرنسي (دومينيك سورديل) : الفن الإسلامي من الوجهتين التاريخية والجغرافية، فيرى أنه يستحق"على الرغم من نزعته التجريدية، التي تدين للإسلام وللإسلام وحده بوحدته، أن يتوج الثقافة الإسلامية الضخمة، التي تتصف بدورها بالوحدة على الرغم من نزعاتها المتباينة. ومن ثم فلا يبدو لنا الإسلام دينا (فحسب) ولا أمة (فحسب) ، بل ركنا لحضارة ينعش مظاهرها الدينية والفكرية والفنية ، أو يكيفها على الأقل" (8) .
ويؤكد المفكر المجري ليوبولد فايس ( محمد أسد ) على"أن التاريخ يبرهن وراء كل إمكان للريب أنه ما من دين أبدًا حث على التقدم العلمي كما حث عليه الإسلام، وأن التشجيع الذي لقيه العلم والبحث العلمي من الدين الإسلامي انتهى إلى ذلك الإنتاج الثقافي الباهر في أيام الأمويين والعباسيين وأيام دولة العرب في الأندلس. وأن أوروبة لتعرف ذلك حق المعرفة؛ لأن ثقافتها هي نفسها مدينة للإسلام بتلك النهضة على الأقل بعد قرون من الظلام الدامس" (9) .
"إنها القوة العجيبة التي تشع من العقيدة الجديدة"كما يقول (فرانشيسكو كابرييلي) ، كبير أساتذة اللغة العربية وآدابها في جامعة روما"ومن الدولة التي إقامتها هذه العقيدة، والتي نمت في كل اتجاه، وأنتجت حضارة موحدة إلى حد يدعو إلى الدهشة، وذلك على رغم من الاختلاف الشديد بين البيئات والمستويات الثقافية التي ازدهرت عليها …" (10) ويواصل (كابرييلي) "من الواضح أننا نعني بالإسلام هنا كل (الحضارة الإسلامية) التي تطورت بمالها من مظهر خاص، من آسيا الوسطى إلى المحيط الأطلسي، والتي قامت على الإيمان برسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم … ولا ريب أن العقيدة الدينية قد زودت هذه الحضارة ليس بعاملها المشترك. فحسب، بل بمحورها ومظهرها الأساسي أيضًا. وأن كل مظاهر الحياة الأخرى من مادية وروحية، ومن سياسية وأدبية واقتصادية واجتماعية، تحمل طابع هذا العنصر الديني، وتنعكس عليها ألوانه، وتنمو وتتسع تحت تأثيره. وقد قال أحدهم: إن الإسلام دين (عالمي شامل) أكثر من أي دين آخر، ويشمل تأثيره الإنسان بأكمله وليس شعوره الديني وحده" (11) ، ثم يخلص (كابرييلي) إلى القول بأن"الطابع الإسلامي إذا غلب على أمة من الأمم لا يمكن محوه البتة …" (12) .
ويذكر المستشرق الأمريكي (أدوين كالفرلي) بأن"المسلمين قد هضموا العلم والفلسفة الهلينية ثم حوروا فيهما ليلائموا بين معرفتهم الجديدة وبين روح العقيدة القرآنية" (13) .
أما المستشرق البريطاني المعروف (هاملتون جب) فيلحظ كيف أن البيئات الثقافية المتنوعة في عالم الإسلام من تخوم الصين وسهوب جنوبي روسيا وإندونيسيا وشبه القارة الهندية إلى غربي آسيا وشمالي إفريقية وأسبانيا ظلت تحتفظ"مجتمعة ومنفردة بطابع إسلامي معين مشترك يمكن تبينه بسهولة" (14) ، والسبب فيما يراه (فون كرونباوم) المستشرق النمسوي يكمن في"أن ثقافة الإسلام العامة تملك تحت تصرفها وسائل متعددة تساعد على التوفيق بين الثقافات المحلية. ومن هذه الوسائل التي يتميز بها الإسلام في الأخص: الإجماع .. الذي له سلطة الفصل في شرعية أي عمل أو عقيدة أخذتها الجماعة" (15) وهو يلحظ بأنه"حينما تُوضّح وجهة النظر الأجنبية في داخل إطار إسلامي وبتعابير إسلامية، يكون الإحساس بها إسلاميًا صادقًا. ومن جهة أخرى فإن التوضيح التدريجي بحقائق الدين الأولى، ولما تشتمل عليه من ملابسات ثقافية، أخذ يساعد على توسيع الأساس الذي يقوم عليه التبادل بين الحضارات. وهكذا نجد أن ازدهار الحضارة العباسية إنما يمثل امتزاجًا ثانيًا للحضارة الإسلامية، وقد فسحوا فيها المجال للتقاليد (المحلية) التي استمدوا جزءًا منها من الكتب، إلاّ أن معظمها دخل في التركيب الجديد عن سبيل حقائق التعايش الفعلي" (16) .
ويذهب المفكر الفرنسي (غوستاف لوبون) إلى أن"العرب ذوو أثر بالغ في تمدين الأقطار التي خضعت لهم .. وأن كل بلد خفقت فوقه راية النبي الإسلام تحوّل بسرعة فازدهرت فيه العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أيّما ازدهار" (17) وأن"العرب أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين" (18) .
وتقارن الباحثة الألمانية (سيغريد هونكة) بين الأمية المتفشية في الغرب ـ يومها ـ والتي بلغت 95% بما في ذلك الأباطرة والأمراء وبين ملايين البنين والبنات الذين كانوا يبدؤون بكتاب الله، وهم يمضون قدمًا في سلم المعرفة .."وكان الدافع إلى كل هذا هو رغبتهم الصادقة في أن يكونوا مسلمين حقًا، كما يجب أن يكون المسلم. فلم يجبرهم أحد على ذلك بل اندفعوا إليه عن رغبة وإيمان؛ لأن من واجب كل مسلم أن يقرأ القرآن. وهنا تتسع الهوة بين الشرق والغرب أيضًا، فالكتاب المقدس لا يجد الناس إليه سبيلًا إذا استثنينا الكهنة ورجال الدين.. ولم تكن هناك أي رغبة في تعليم الشعب أو تثقيفه" (19) وفي أسبانيا"كان أثر الإسلام على كل ناحية فكرية أو مادية هو الأساس الذي قامت عليه الحضارة هناك" (20) .
ويعرف (كويلريونغ) ، رئيس قسم اللغات والآداب الشرقية في جامعة (برنستون) ، المدلول الثقافي للإسلام بأنه يستعمل"بالمعنى الواسع ليدل على تلك المدنية المتجانسة ـ على الرغم من تنوعها ـ والتي وجّهها وسيطر عليها الدين الإسلامي منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا" (21) .. وعندما ظهر الإسلام"تحول التيار (الثقافي) إلى عكس الاتجاه الذي كان يسير فيه. وقد بدأ هذا التحوّل مفاجئًا في مظهره على الرغم من أنه يمكن للمؤرخ أن يتعرف على الأسباب التي تجمعت رويدًا رويدًا حتى أنتجت هذا الانعكاس في اتجاه التيار الثقافي. ومن جزيرة العرب اندفعت حماسة هؤلاء الساميين، ومعهم دينهم ولغتهم، إلى حدود الصين في الشرق وإلى جبال البرانس في الغرب .." (22) .