لقد تأسست حضارة الإسلام في المجال الذي يعكس الشخصية الحضارية، والذي يبدأ بالعقيدة، ويمضي إلى الشريعة والنشاط المعرفي والثقافي عمومًا (ولهذا ـ على سبيل المثال ـ تُرجمت فلسفة اليونان كأداة للجدل وليس كهدف معرفي، وفي المقابل فإن أدب اليونان القائم على الميثولوجيا الوثنية، لم يلق إقبالًا على ترجمته إلى العربية، وما تُرجم منه لم يلق رواجًا، وظل معزولا إلى حد كبير عن ذاكرة المسلمين ووجدانهم) .
أما على مستوى العلوم الصرفة كالفلك والرياضيات والطبيعة والطب وعلوم الحياة .. الخ فإن الحضارات تنحو ـ بشكل عام ـ إلى اعتماد قانون تراكم الخبرة، والإضافة على ما قدمه الآخرون، وكان على الحضارة الإسلامية أن تعتمد القانون نفسه فحققت قفزات نوعية، بل إنها قدمت إضافة ذات قيمة بالغة في سياق مناهج العلوم وهي المختبر .. ومن ثم فإنها لم تكن مجرد"عالة"على الحضارات الأخرى بأي معيار من المعايير.
والحالة نفسها تنطبق على النظم الإدارية حيث تجد الحضارات الناشئة ـ في البداية ـ أن لا وقت لديها لتسيير المؤسسات، فتقتبس عن الآخرين، لكنها لا تلبث أن تبدل وتحور وتنقص وتزيد، وتؤصل ـ في نهاية الأمر ـ نظمها الخاصة بها (ولنتذكرـ على سبيل المثال ـ ما حدث بالنسبة لنمو الدواوين وتوزيع تخصصاتها فضلًا عن حركة التعريب المعروفة التي استهدفت المؤسسة الإدارية بالدرجة الأولى) .
إن الباحثين المذكورين يعتمدون منهج الاستدلال بالجزئيات المنقولة عن الآخرين، ويعرضون منها حشودًا توحي للوهلة الأولى بأن حضارة الإسلام لا تعدو أن تكون ـ بالفعل ـ تجميعًا ميكانيكيًا منقولًا عن الحضارات الأخرى. لكن هذا الأسلوب لا يلبث أن يتعرض للاهتزاز إذا تذكرنا مرة أخرى كيف أن هؤلاء الباحثين يتعمدون أو يغفلون الانطلاق من نقطة البداية الصحيحة، وهي الرؤية الشمولية للدين الجديد، والتي كان بمقدورها دائمًا أن تخضع الجزئيات المقتبسة، بل تصهرها، من أجل إقامة الكيان الحضاري المتميز، الجديد. إن الذي حدث لم يكن ـ بأي صيغة من الصيغ ـ مجرد محاولة ميكانيكية، وإنما كان الأمر أعمق من هذا بكثير، إنه إعادة تركيب الجزئيات المقتبسة في كل حضاري يملك ملامحه المتميزة، ورؤيته المستقلة للكون والعالم والظواهر والأشياء.
إن الإسلام كدين، بخلاف النصرانية، كان تأسيسًا حضاريًا بمعنى الكلمة، وبالتالي فإن انتصاره وتفرده في القيادة كان يعني بالضرورة قيام حضارة متفردة جديدة. وإن بمقدور المرء أن يمضي إلى أبعد من هذا فيرى كيف أن الإسلام نظر إلى الحضارات الأخرى، أو ـ على الأقل ـ إلى أقسام واسعة منها، على أنها امتداد للجاهلية بشكل من الأشكال، وبالتالي فإن التعامل معها لم يكن بصيغة التقبل أو الانبهار، كما حدث للشرق الإسلامي في العصر الحديث، وإنما بصيغة فوقية تحمل أصالتها واعتدادها بالذات، دون أن يمس هذا البعد الإنساني المفتوح للحضارة الإسلامية التي تعاملت مع الإنسان حيثما كان، وكسرت حواجز الجغرافيا والطبقة والعرق واللون، بل إنها تجاوزت حتى حواجز المذاهب والأديان.
والباحثون المذكورون يعكسون الحالة مرة أخرى بادعائهم أن المغلوب هزم الغالب
حضاريًا، والحال أن الغالب قدر في عقود معدودة على أن يطوي المغلوب على كل المستويات بدء من الدين والسياسة وانتهاء بمجمل المفردات الحضارية … وتمكّن من أن يأخذ ويدع، ويفكك ويذيب، إلى الحد الذي لم يبق معه للثقافات المحلية مقومات مستقلة اللهم إلاّ ما كان يتساوق منها مع معطيات الحضارة الناشئة.
إن الحضارة التي تقوم على الأخذ ليس بمقدورها أن تعطي أو تؤثر في الحضارات
الأخرى. والذي حدث بالنسبة لحضارة الإسلام هو العكس فإن تأثيرها كان عميقًا للغاية، ليس فقط بصيغة حماية التراث القديم، وإعادته منقحًا أو مضافًا عليه، وإنما أيضًا بصيغة تقديم معطيات أصيلة مبتكرة كان لها أبلغ الأثر في صيرورة الحضارات الأخرى، وبخاصة الغربية،
ومهما يكن من أمر فإن انعكاس المبادئ والقيم الإسلامية الأساسية على النشاط الحضاري عبر نشوئه وتناميه، منحه خصائصه المتميزة. وهذا الانعكاس أو الارتباط المؤكد بين العقيدة والحضارة يمثل -ولا ريب- نقطة البداية الصحيحة في منهج دراسة حضارة الإسلام، وليس العكس كما توهم بعض الباحثين، فأوقعهم الوهم في جملة أخطاء، وقادهم إلى استنتاجات مضللة...
ويكفي أن نؤشر هنا على بعض ما قاله الباحثون الغربيون لتأكيد هذا الانعكاس.
وهذا التأكيد يُعدّ -ولا ريب- ضرورة علمية بسبب من صعوبة الفصل بين النشاط الحضاري الإسلامي عبر التاريخ وبين البيئة الإسلامية التي تشكّل فيها، وتلقى عنها مؤثراته وحوافزه ومكوناته. وما من ريب، استنادًا إلى هذا، في أن أي محاولة لتوهم فصل أو تعارض كهذا، إنما هو أسلوب مضلل في دراسة تراثنا الحضاري، ولن تكون نتيجته سوى حشود من الأوهام والأخطاء التي تنافي روح البحث العلمي الجاد.
فما الذي يقوله"الغير"بهذا الخصوص قبل أن يقوله المسلمون أنفسهم ويؤكدوه؟
يشير (روبرت برنشفك) أستاذ اللغة والحضارة العربيتين في جامعتي (بوردو) و (باريس) إلى
"أن تأثير الدين الإسلامي تتجلى قوته في عدد كبير من عناصر الثقافة الإنسانية: في اللغة والفنون والآداب والأخلاق والسياسة والتركيب الاجتماعي ونشاطه والقانون، بحيث لا نستطيع إذا أخذنا الوضعية كلا، أن نلاحظ مدنية مستقلة فيها لا تتميز (بالعنصر الإسلامي) فحسب ، بل (بالعامل) الإسلامي أيضًا" (2) لقد"أصبحت العقيدة الإسلامية خلال القرنين الثاني والثالث (الهجريين) نظامًا نما بصورة واسعة في نواح مختلفة، وكان شديد الرغبة في إظهار تماسكه في كل مدرسة أو نزعة تتضح في نطاقه .. وهكذا أخذ الإسلام مكانة عملية قُدّرت له في عدة ميادين ثقافية، وهو دور المؤثر والمتأثر، وهو مظهر مزدوج لا يصح الفصل بين جزئيه غالبًا إلاّ بطريقة مصطنعة" (3) .
ويمضي (برنشفك) في تحليله إلى أن"من الأصح ـ دون ريب ـ أن نعتبر العقيدة الإسلامية عاملًا، لا في الحالات التي يحدث أن تستمد منها حلًا جديدًا من مواردها الخاصة بها فحسب، أو تأتي بحل جديد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن في كل حالة تستوعب فيها حلًا داخليًا أو أجنبيًا في نظامه، ويلونه بطريقته الخاصة، وبذلك تساعد على اقتباسه أو الاحتفاظ به. فكم من عمل لم تكن به من ناحية المبدأ صبغة إسلامية، طبعه الإسلام بطابعه إلى الحد الذي أصبح فيه عملًا مميزًا للإسلام، وذلك بفضل إسناد التربية الإسلامية المأثورة. ومن الممكن أن الصفة الإسلامية الخاصة لعنصر ثقافي في أكثر من حالة واحدة لا يدين بشيء إلى الأصل الذي نشأت عنه بل يعبر فقط عن الحقيقة: أن الإسلام باقتباسه العنصر المذكور طبعه بطابعه أو أراد اقتباسه وتمثيله" (4) .
ويشير رجل القانون الدولي الفرنسي المعاصر (مارسيل بوازار) إلى أن الإسلام"اقترض ولا ريب، لكنه عرف كيف يحقق، بفضل روحه التوفيقي بشكل أساسي، بناء يحمل طابعه. فجميع بنائه الثقافي قائم على التكافل والتوفيق: مصادفة، واكتشاف، وتقبل، وتمثل، وتنمية وتطوير. وقد أضاف إليه الدين تلوينًا خاصًا به، صادرًا عن شعور بالسمو والانسجام، كما أنه صادر عن نوع من الوحدة في الاستلهام. وكانت مساهمة العالم الإسلامي الثقافية ضخمة" (5) .