نعم إن الجمع بينهما هو الكمال، وهذا ما يدعو إليه إسلامنا العظيم.. هذه هي خلاصة الخلاصة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..
اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام..
اللهم أتمم علينا نعمتك، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
صانع الحضارة
رقية المحارب
حسن الظن بالناس من أهم صفات صانع الحضارة، ذلك الذي يصغي له الناس، ويجدون في تصرفاته مثلًا حيًا لقيم ومبادئ لطالما قرؤا تمجيدًا لها وسمعوا حثًا للتخلق بها. صانع الحضارة هو ذلك الإنسان الذي يتبع منهج الإسلام في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة وفي كل شؤون حياته . صانع الحضارة هو ذلك الذي تتمثل في أقواله وأعماله مقومات التميز والإبداع، وتصور معي لو أن كل إنسان يعيش على هذه الأرض حاول التمثل بهذه المبادئ كيف سيكون حال العالم؟ بل كيف سيكون طعم الحياة؟ لا شك سيكون عالمًا خاليًا من الحروب والقلق والظلم والفقر والقهر والجوع، وستكون حياة مليئة بمعالي الأمور، لأن قيم العدالة والتعاون والتكافل والرحمة والتواضع والأمانة وحسن المعاملة وحسن العشرة وحسن الظن وغيرها من منظومة طويلة من هذه الأخلاقيات سوف تكون أنهار عطاء يجد فيها المجتمع سببًا لحياته ومددًا لسعادته.
أعود لحسن الظن بالناس كواحد من هذه القيم الذي أود أن تسود بيننا، فنعيش وقلوبنا نقية تجاه من نجاورهم ونصاحبهم أو من تربطنا بيننا وبينهم روابط القربى. أسمع أحيانًا كلمات باعثها حب الخير ولكنها متسرعة في تقديم الشك على اليقين، ومتخذة منهجًا دائمًا في اتهام الناس أحيانًا بلا بينة واضحة. ليس المقصود هو أن نعيش كالدراويش أو أن ننخدع بحلو الكلام أو أن نبرئ من ثبت انحرافه ولكن الهدف هو أن نقدم حسن الظن بالناس ونعاملهم على ظاهرهم إلا من ظهر فسقه أو أعلن فجوره فهنا نتعبد الله بالبراءة من تصرفه وأيضًا وفق منهج وسط لا إفراط فيه ولا تفريط كما هو منهج العلماء الربانيين، فلا نساوي بين من ظاهره العادلة ومن هو غير ذلك. قد أختلف معك في مسألة معينة ولكن هذا الاختلاف يجب أن يكون في إطاره ولا ينتهي إلى أن تخالفني في كل شئ كما هو الحال عند البعض. ومهما اختلفت معك في مسألة اجتهادية فإن حسن الظن يجب أن يكون حاضرًا دائمًا سلامةً للقلب وحمايةً للسان من الشطط.
وفي مجتمع النساء تبرز الحاجة ماسة إلى حسن الظن، فالزوجة ينبغي أن تحسن الظن بزوجها باعثة أجواء الثقة في بيتها والرجل كذلك، كما تحسن المرأة الظن بجارتها وزميلتها في العمل والدراسة، بل إن حسن الظن بين المصلحات في المجتمع لهو أشد حاجة لما في ذلك من جمع كلمتهن وقوة صفهن. ولا بد من وقوع الأخطاء بين الزميلات من تصرف متسرع أو كلمات غير مقصودة أو غير ذلك ولكن شيوع الثقة بين أفراد المجتمع من أهم أسباب تماسكه وقلة المنكرات والأخطاء فيه.
أظن أننا بحاجة ماسة إلى تعلم فقه الظن والتأمل في أحكامه ومعرفة متى نحسن الظن ومتى يكون سوء الظن هو المتعين، ومتى يكون حسن الظن واجبًا، وأعتقد أننا بحاجة إلى فهم أن سوء الظن أحيانًا يوقع في الإثم فلينتبه من همه صلاح قلبه .
موقع الإسلام اليوم
الثقافة الإسلامية .. نبراس الأمة في التميز الحضاري
إبراهيم بن ناصر الحمود
لا ريب أن كل أمة تعتز بحضاراتها التي هي عنوان تقدمها ورقيها، وإنما تستمد الأمة الإسلامية هذا التميز الحضاري من خلال معالم ثقافتها الإسلامية، فهي مثابة الأفكار والتصورات التي يبني الإنسان المسلم عليها وجوده في هذه الحياة - لا سيما وأن الثقافة الإسلامية تستمد تلك الرؤى والأفكار من مصدرين أساسين مهمين هما: الكتاب والسنة ، ثم يأتي بعد ذلك ما للأمة من تراث وتقديرات، إضافة إلى ما استفادته من تجارب الأمم الأخرى مما لا يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي.
وإن التزام الأمة بهذا التواصل يضمن لها تقويم ثقافتها الذاتية وأصالتها على مستوى الأفراد والجماعات.
وكلما ابتعدت الأمة عن تلك المصادر الأساسية، أو أخلت بشيء منه لا يمكن للأمة أن تثبت وجودها الحقيقي - إذا هي فقدت شيئًا من قيمها وأخلاقها الإسلامية، أو تناست لغتها وتاريخها في هذه الحياة.
وإذا أردنا البحث عن أهم الأسباب التي تحول دون تميز الأمة في حضاراتها في العصر الحاضر لتبين لنا أن من أهم ذلك تدخل عدد من الروافد الأجنبية في بناء المجتمع الإسلامي، ما يطفئ شعلة التميز والقيادة في تلك الحضارة.
ومعلوم أن الدين الإسلامي جاء - والحمد لله - مهيمنًا على ما سبقه من الأديان، ولهذه الهيمنة صلة وثيقة بمسألة التميز التي ينشدها المجتمع الإسلامي، الذي يرفض أن يكون تابعًا لغيره أو مقلدًا أو مقتبسًا من حضارة أخرى فهذه الأمور إن وجدت، فما هي المتمات لأصول التميز القائمة وروحه السائدة ومناهجه الثاقبة.
فالمأمول لهذه الحضارة الإسلامية في الحال والمستقبل أن تكون ذات قيادة مستقلة بنفسها، ومستمدة تعاليمها من القرآن والسنة إذا هي أرادت التميز الحقيقي ، وعلى غيرها من الحضارات أن تنضم إلى مركب القيادة والتوجيه، لتكون حضاراتنا الإسلامية في مقدمة الركب ، وحق لها ذلك ما دامت ثابتة وراسخة على قواعدها الأصولية لم تتغير أو تتبدل، إذ كيف يليق بثقافة تنتسب إلى هذا الأصل المنيع والركن الرشيد وتكون في موقع الاقتباس والتقليد؟!
وتأكيدًا لهذا المعنى يقول الله تعالى في محكم التنزيل: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناُ عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جمعيًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) .
هكذا يبين الله تعالى الخيرية التي تميزت بها هذه الأمة من خلال كتابها والتحاكم إليه ونبذ الأهواء المضللة خشية الفتنة والتفكك والاضطراب فالحق واحد وطرق الضلال متعددة، وركون كثير من الناس إلى سلطان الهوى- والبعد عن الهدى من أهم معوقات التميز الحضاري في العصر الحاضر- ما ذاك إلا بسبب الجهل بمقاصد التشريع الإلهي حتى جلب أولئك لأمتهم شيئًا من توابع الذل والانكسار، ووصفهم بالفسق في قوله سبحانه في سياق تلك الآيات: (وإن كثيرًا من الناس لفاسقون) المائدة 49.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ميز هذا الإنسان عن غيره من المخلوقات بهذا العقل البشري الذي يعرف به الحق والباطل، والخير والشر فإن هذا العقل يحتاج إلى الغذاء المناسب حتى يعطي وظيفته على الوجه الأكمل، وهذا الغذاء يستمد من القيم الحقيقية لثقافتنا الإسلامية، وأصولها المباركة، لينعكس أثر ذلك على التميز الحضاري لهذه الأمة وواقع حياتها العملية، فيكون المجتمع مجتمعًا تسوده روح المحبة والتعاون والقيم الفاضلة، وتلك خصوصية لثقافتنا الإسلامية، وينبغي أن يوجد هذا التميز وتلك الخصوصية في كل وقت فلا تحدد بزمان معين ؛ لأن رسالة الإسلام رسالة خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعامل الثقافة الإسلامية عامل مهم جدًا في رسم المنهج السليم لحضارة الأمة، لأنها قلبها النابض ولباسها المنيع الذي يحميها من زيف وضلال الحضارة الغربية.