فهرس الكتاب

الصفحة 2194 من 2255

ثالثا: المؤسّسة ــ الشرق لا يفهم أهمية المؤسسات في الغرب، وما يزال الشرق يستند في كبريات قضاياه السياسية والاجتماعية وحتى الدينية إلى الأفراد، بعيدا عن المؤسسات التي تضمن له استمرارية الحياة والتاريخ، وانتقال المسؤوليات السياسية والاجتماعية بصورة سلمية، وكما يقال: لا يمكن تحقيق الخير في التاريخ البشري بدون إنسان صالح، ولكن لا يمكن للخير أن يبقى دوما في التاريخ إلا بالمؤسسات.

رابعا: حقوق الإنسان ــ لا حاجة لي هنا أن أذَكّر بأن الغرب يستخدم دعوى الدفاع عن حقوق الإنسان ذريعة للتدخل المباشر في شؤون الشرق سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ولكن هذه الحقيقة المرة عن تعامل الغرب مع الشرق باسم الدفاع عن حقوق الإنسان لا تعفي الشرق من مسؤوليته عن تلاعبه بحقوق الإنسان في الشرق، بل يجب على الشرق أن يبادر برعاية حقوق الإنسان، لا ليبرئ نفسه أمام الغرب، بل ليطبق ما أمر به الله - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم وفي سنة رسوله الأمين من احترام لحقوق الإنسان لأنها أولا وآخرا حقوق الله الذي خلق الإنس والجن لا لشيء إلا ليعبدوه، إذ يقول - سبحانه وتعالى -؟ وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون، فجوهر معنى حقوق الإنسان هو أن يكون الإنسان حرا في عبادته لله وأن لا يكون عبدا في تقديسه لمخلوقات الله.

خامسا: السياسة ــ إن المسلمين لا يفهمون سياسة الغرب تجاه المسلمين عموما، وتجاه القضية الفلسطينية على وجه الخصوص. ومن المؤكد أن السياسة باعتبارها تعبيرا عن تفوق البعض تكنولوجيا وعسكريا، يمكنها أن تهدد بخرق حقوق الآخرين من المتخلفين تكنولوجيا والعاجزين عسكريا عن مقاومة الظلم والاضطهاد. ومن المؤسف أنه إذا أضيفت إلى ذلك الأفكارُ الدينية المسبقة المصحوبة بسوء النيات والتصورات الثقافية الخاطئة عن قوم ما، فإن سياسة المتفوق لا تمتلك أعينا ترى بها حقوق المُسْتَضْعَفِ، وفي تلك الحالة تسود قاعدة المتكبر السياسية حيث الغاية تبرر الوسيلةَ دون الالتفات إلى معاناة المستضعف، وهنا يسود الهدف السياسي الذي يتألف من مصلحة المتفوق بالسيطرة على ثروات المستضعف المعنوية والمادية. وهذا ما لا يفهمه المسلمون من غايات سياسة الغرب: حيث إن غاياته السياسية والعسكرية والثقافية والدينية تبرر استخدام كل أنواع الوسائل بما فيها تعذيب السجناء وقتل الأسرى.

وفي الختام نود أن نقول إنه لا جدوى من أن ينتظر المسلمون الغرب حتى يفهمهم ويفهم قيمهم الدينية والسياسية والاقتصادية، بل ينبغي على المسلمين أن يؤمنوا بالله إيمانا صادقا، لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يقرر مصير التاريخ البشري رغم كل ما يدبره الغرب أو الشرق. فلذلك يجب عليهم ويحق لهم أن يقتبسوا من الغرب كل ما ينسجم مع المجتمع المسلم في الأمور الخمسة السابقة الذكر، ألا وهي الحرية والديمقراطية والمؤسسية وحقوق الإنسان والسياسة.

نحو صورة وسطية حضارية نقدم بها الإسلام للعالم

د. ليلى بيومي

-يجب تقديم الإسلام على أنه نظام شامل وليس أجزاء متفرقة.

-ينبغي إبراز عطاء علماء الإسلام في المجال الاجتماعي وخاصة رعاية المرأة.

-ينبغي الاهتمام بالدعاة الذين يقدمون الإسلام للناس.

-الإسلام حرر الإنسان ذاتًا وعقلًا وضميرًا وعقيدة.

مفكرة الإسلام: رغم ما قدمته الصحوة الإسلامية من جهد طيب في مجال الدعوة وتيسير التدين للشباب والناس جميعًا..إلا أن الملاحظ أن هناك سلبيات كثيرة رافقت خطاب الصحوة الدعوى ما بين الإفراط في الزجر والتخويف يصل إلى حد سد باب التوبة في وجه النادمين، وبين التساهل إلى حد التفريط في الثوابت والأصول.والناس حيارى.. إلى من يستمعون؟.. ثم إن الخطاب الدعوي موجه أيضًا في شكل من أشكاله إلى غير المسلمين.. ومن ثم ينبغي أن يكون فيه من النضج والعمق والاعتدال ملامح تجعله مؤثرًا ومرشدًا. فما هي الصورة الوسطية الحضارية التي ينبغي على الدعاة تقديم الإسلام بها سواء إلى المسلمين في الداخل أو غير المسلمين في الخارج؟.

ينبغي تقديم الإسلام كمهج ونظام:

يقول د. علي مدكور عميد معهد البحوث التربوية بجامعة القاهرة: إننا لابد أن نقدم الإسلام للناس على أنه منهج ونظام.. فالإسلام باعتباره المنهج الأخير هو نظام التوجيه حياة البشر ومعنى أنه نظام أي أنه كل مكون من أجزاء وكل جزء يؤثر في جزء ويتأثر به. والإسلام بهذا المعنى هو منهج الحضارة بل هو الحضارة. وهذا يعني أننا حينما نقدم الإسلام لا يجب أن نقدمه في أجزاء متفرقة بل لا بد أن يقدم في صورة كلية شاملة أولًا ثم تأتي التفاصيل في مرحلة تالية. والإسلام كنظام مبني على شقين: الشق الأول هو: الشق الاعتقادي، والشق الثاني هو: الشق الاجتماعي.

والشق الاعتقادي في الإسلام هو: التصور الإنساني للألوهية والكون والحياة والإنسان. وهذا الشق هو جوهر مناهج الفلسفة التي نقدمها لأبنائنا وللآخرين كي يتعرفوا على الوجه الحضاري للإسلام.

ولهذا فإذا أردنا تقديم الإسلام للآخرين فلا يجب أن نقدمه في صورة رؤى فكرية لهذا المفكر أو ذاك أو رؤى اعتقاديه لبعض الفرق مثل أهل السُنَّة أو الشيعة.. الخ وإنما نقدم التصور الاعتقادي من القرآن والسنة مباشرة.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني وهو شق التصور الاجتماعي فهو: يتعامل مع أمور من قبيل كيف نقيم النظام السياسي والنظام الاجتماعي وكيف نقيم الأسرة وما هي العلاقة بين أفرادها والعلاقة بينهم وبين غيرهم.. وما هي الثقافة؟ وكيف نتعامل معها؟ وكيف نقيم مناهج التربية والفنون والآداب والإعلام؟.. الخ.

وهذا الشق الاجتماعي منبثق عن الشق الاعتقادي.. فمثلًا كيف نتعامل مع الغيبيات في الكون مثل الروح والملائكة والجن والشياطين؟ وكيف نتعامل مع المشهودات في الكون مثل: الماء والجبال والأنهار والحيوانات والإنسان؟ كل هذه الأمور والأسئلة تأتيها موجهات من الشق الاعتقادي لأن الله أقام الكون وبناه على نظام ولو أخللنا بهذا التوازن الدقيق في الكون فسوف يعود الخلل علينا.

فلو لوثنا الماء والهواء وفتحنا ثقبًا في الطبقة الحامية للأرض فهذا كله سوف يعود علينا بالضرر. وعلى هذا نستطيع أن نقول إن هناك نظامًا للسياسة في الإسلام وعلينا أن نقدمه على أنه نظام وليس جزئيات.. وإذا لم نقدمه هكذا فإننا بذلك نسيء للإسلام. كما أن الاقتصاد في الإسلام نظام فيه جزئيات كثيرة منها الزكاة والمواريث والصدقات.. الخ. ونقطة الضعف أننا ندرسه كأجزاء متفرقة كل جزئية في سُنَّة من سنوات الدراسة وفي كتاب منفصل. إن النظام الاقتصادي الإسلامي شامل ولا يجوز لنا أن نقدمه كأجزاء وإلا فقد معناه، كذلك فإن النظام التربوي في الإسلام هو نظام شامل ومتكامل ووحدة واحدة تأتيه التوجيهات من الشق الاعتقادي.. والأمر ينطبق أيضًا على الفنون والآداب والإعلام.. الخ.

إننا يجب ألا ننسب أخطاءنا إلى الإسلام ولا يجب أن نعرض الإسلام كما يفعل صاحب المعرض الذي يجلس أمام معرضه بثياب رثه وشعر أشعث فيمر الناس فلا يدخلون معرضه. وإنما علينا أن نبدأ بأنفسنا فنعلمها قبل أن ندعو الناس.

التركيز على الجوانب الاجتماعية في الخطاب الدعوى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت