فهرس الكتاب

الصفحة 2030 من 2255

يقول الثابت: لم يختلفوا في المعاني الأساسية للنصوص إلا اختلافات يسيرة، لكن اختلفوا فيما يمكن أن يستنتج من النص - مثلا -، أو في المسائل الاجتهادية التي لا نصوص فيها، لكن المهم أن اختلافهم لم يكن بسبب اختلاف ثقافات عصورهم كما تدعي، وإنما كانت اختلافات فردية حتى في داخل العصر الواحد، وكانت اختلافات بين من التزموا بذلك المنهج الصحيح الذي بينته لك بإيجاز وبين الذين لم يلتزموا منهجًا علميا؛ وإنما أخذوا يفسرون النصوص بحسب أهوائهم ورغباتهم.

-أتعني أن لتفسير نصوص الكتاب والسنة منهجًا علميًا؟

-بل أعني أن لتفسير النصوص كلها سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية مناهج علمية.

-كيف؟

-أظنك تتكلم الإنجليزية.

-نعم.

-إذا قرأت قصيدة من قصائد شكسبير مثلًا، فكيف تفهمها؟

-أرجع إلى الكتب التي تولت شرحها، وبيّنت ما قصده شكسبير منها.

-أتعني أنك لا تفهمها بحسب ثقافة عصرك أو ثقافة بلدك العربي؟

-لا؛ بل لأنني أريد أن أعرف ما قصده شكسبير من كلماته.

-أتعني أنك تعطي كلماته المعاني التي قصدها والتي كانت شائعةً في عصره حتى لو كانت تلك المعاني مخالفة للمعاني السائدة الآن في اللغة الإنجليزية؟

-لا شك في ذلك؛ لأن قصدي أن أعرف ما قال شكسبير، فإذا أعطيت كلماته المعاني السائدة الآن فإني أكون قد قوّلته ما لم يقل.

-هل تفعل الشيء نفسه بالنسبة لنص من نصوص أرسطو - مثلا - إذا كنت تحاول أن تكون مختصًا بفلسفته؟ أعني: هل تحاول أن تدرس لغته التي كتب بها فلسفته؟

-أجل، وأحاول أن لا أخلط بينها وبين اللغة اليونانية الحديثة؛ لأن قصدي أن أفهم ما قال أرسطو.

-هل تكتفي في فهم نصوصه إذن بدراستك للغة اليونانية التي كتب بها، أم أن هناك وسائل أخرى تعينك على فهم كلامه؟

-نعم هنالك وسائل أخرى منها: أن أدرس كيف فهمه معاصروه؛ لأنهم أدرى به، ومنها: الاستعانة بالخبراء الذين سبقوني.

-ما أظنك إلاّ متبعًا منهجك هذا نفسه في دراستك لشاعر جاهلي كامرئ القيس.

-بلى؛ فأنا لا أعرف لهذا المنهج بديلًا في دراسة النصوص البشرية.

-هذا المنهج الذي اتبعته في دراستك لما أسميته بالنصوص البشرية هو المنهج العلمي الذي نريد منك اتباعه في دراستك للنصوص الإسلامية. نريد أن يكون همك هو أن تفهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر المستطاع، وأن تكون أمينًا في ذلك؛ لا تقوّل الله أو رسوله ما لم يقولا، وأن تقرر معنى نصوصهما كما هي حتى لو رأيتها مخالفة لما هو سائد في عصرك.

-لكن هنالك فوارق مهمة - أراك قد أغفلتها - بين النصوص البشرية والنصوص الإلهية.

-ما هي؟

-منها: أنني أستطيع أن أفهم مراد البشر؛ لأنهم مخلوقون محدودون يخاطبونني بلغة محدودة، أما الله تعالى فمطلق؛ فلا يمكن أن تسع اللغة المحدودة معانيه المطلقة؛ لذلك كان من حق كل إنسان أن يفسرها بلغته المحدودة حتى تتسع معانيها فتقترب من المطلق!!

-دعك يا أخي من الكلام الغامض عن تفسير المطلق والمحدود؛ فإنها ألفاظ لا طائل تحتها؛ والله تعالى لم يسمّ نفسه ولا سمّاه رسوله بالمطلق ولا وصفه بذلك. إن خلاصة ما تريد أن تنتهي إليه هو أن البشر حين يتكلمون باللغة العربية يكون لكلامهم معنى محدد يمكن معرفته بطريقة علمية، وأما إذا خاطبنا الله بهذه اللغة فإنه لا يكون لكلامه معنى يمكن معرفته بطريقة علمية! ألا ترى أنك جعلت الله تعالى عاجزًا عما جعلت البشر قادرين عليه؟ كيف يستطيع البشر حين يخاطبوننا باللغة العربية أن يوصلوا معانيهم التي قصدوها إلينا ولا يستطيع رب البشر أن يفعل ذلك، وقد قال إنه إنما خاطبنا بهذه اللغة لنفهم عنه ما يقول؟

-هذا بيان معقول؛ لكن هناك فارقًا آخر هو أن الإسلام صالحٌ لكل زمان ومكان، فإذا أعطينا نصوصه المعاني ذاتها التي أعطاها إياها الصحابةُ - مثلًا -، فإنا نكون قد حصرناها؛ وبذلك حصرنا الإسلام في زمان معيّن ومكان معيّن!

-فما البديل إذن؟

-البديل هو كما قلت لك: أن يفسِّر كل أهل عصر تلك النصوص بما يتناسب مع ثقافة عصرهم.

-حتى لو كانت هذه التفاسير متضاربة متناقضة؟

-نعم؛ لأن فهم النصوص الإلهية هو - كما قلت لك - نسبي؛ فما يفهمه أهل كل عصر صحيحٌ بالنسبة لهم حتى لو كان غير صحيح بالنسبة لغيرهم.

-هل هذا هو ما فهمته من مقولة: إن الإسلام صالحٌ لكل زمان ومكان؟

-أجل، وما أراك قادرًا على الإتيان بفهمٍ غيره أو أحسن منه.

-إذا كانت صلاحية الكلام لكل زمان ومكان تعني أن تُغيَّر معانيه لتناسب أهواء الناس في كل زمان ومكان، فإن كل كلام حتى لو كان لأبلد الناس يمكن أن يكون له هذه الميزة.

-كيف؟

-هب أن رجلًا اسمه"حمار"وضع مذهبًا من عشر مسائل فقال: على من يقبل مذهبي: أن يفعل في الاقتصاد كذا، وفي السياسة كذا، وفي التربية كذا، إلى آخر المسألة التاسعة، ثم قال في العاشرة:"لكل من يتبع مذهبي الحماري هذا أن يفسر مسائله التسع السابقة بما يراه مناسبًا لبيئته الثقافية"، أظنك توافقني القول على أنه لن يمرّ إلاّ وقت قليل حتى لا يبقى من مسائل حمار هذا - بحسب ما كتبها - إلا المسألة العاشرة. لكن أصحابه سيظلون ينتمون إلى هذا المذهب، وسيظلون يتفاخرون بأنهم حماريون، وأن مذهبه الحماري صالح لكل زمان ومكان؟ فهل تريد للإسلام أن يكون كذلك؟

-فما معنى كون الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان إذن؟

-معناه أنه كما أنزله الله - ومن غير تحريفٍ ولا تبديل - صالح لكل من يريد الهداية من الأفراد والجماعات في كل زمان ومكان. والسر في هذا أنه تنزيلٌ من حكيمٍ عليم، علم ما هو صالح لعباده بما هم به بشر، لا بما هم به أهل هذا العصر أو ذاك، ولا بما هم به عرب أو عجم، أو أصحاب زراعة أو صناعة، أو في شرق الأرض أو غربها، أو غير ذلك من الاختلافات التي لا تؤثر في بشريتهم، فأنزل عليهم كتابًا غير مقيّد بشيءٍ من هذا كله.

-إذن فما معنى عبارتك:"الإسلام لعصرنا"؟

-معناها أنه إذا كانت نصوص الكتاب والسنة لا تتغير ولا تتبدّل فإن أحوال الناس تتبدل وتتغير، ويجدّ لهم من المشكلات اللغوية والفكرية، والعلمية التجريبية، ما يحتاجون معه إلى أن يُعانوا على فهم دينهم الفهم الصحيح، وأن تزداد ثقتهم فيه وإيمانهم به، وذلك يكون:

بتفسير حقائقه الثابتة بلغة جديدة يفهمونها، إن كانوا عربًا، أو بترجمتها إلى لغاتهم إن لم يكونوا عربًا، وبتقويم ما يجدّ من أفكار، والردّ على ما يثار من شبهات، وبإيجاد الحلول الإسلامية لما يجدّ من مشكلات عملية، وبالاستفادة من الكشوف العلمية الموافقة للنصوص الإسلامية في تثبيت الإيمان والدعوة إلى الإسلام، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تتأتى إلا بإمعان النظر في النصوص وتدبرها. إن النصوص محدودة لكن ما يستنتج منها غير محدود، كيف لا والقرآن كتاب لا تنقضي عجائبه؟!

عناصر الشرك و الاستكبار والفحش في القيم الغربية*

أ.د. جعفر شيخ إدريس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت