فهرس الكتاب
إن نسيان الله تعالى قد أفسد النسيج الإنساني كله ، وحين يفسد النسيج العام ، فلن يكون ثمة فائدة تذكر من وراء التعليم والتدريب والتربية ، وكيف يمكن إصلاح خبز أو كعك أو فطير فسد طحينه ؟ !
إن ضعف الإنسان على مدار التاريخ كان من عوامل استمرار بقائه ، أما اليوم فقد اجتمع له القوة الغاشمة مع الطيش الشديد ، وهذا ما سيسبب الكوارث ما لم يحدث انعطاف كبير في اتجاه الرشد والهداية والتدين المبصر الأصيل .
ب - إن المهمة الأساسية للرسل عليهم السلام أن يبصّروا الناس بما يجب عليهم تجاه خالقهم ، وأن يذكّروهم الدار الآخرة ومطالب الفوز فيها: { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ } [غافر: 15] .
ومهمة المصلحين إذا ما أرادوا الاستجابة لدعوتهم أن يُنضحوا من التعاليم الإسلامية ما يمزجونه بالخيال الخصب والخبرة البشرية والملاحظات الذكية ، من أجل توفير الظروف التي تجعل الناس أقرب إلى الالتزام . وإن هذه الدنيا دار ابتلاء ، ولذا فإن علينا دائمًا أن نختار ما يصلح أحوالنا ، وإن لكل عصر اختياراته واجتهاداته . والمشكلة أن الفضائل والقيم والنظم لا تتفق بعضها مع بعض اتفاقًا كليًا ، بل إن إقامة كثير منها قد يتطلب التضحية ببعضها الآخر: إذا اخترنا الحرية الفردية ، فقد يقتضي ذلك التضحية بشكل تنظيمي نحن في أمس الحاجة إليه ، وإذا اخترنا العدالة ، فقد نُرغَم على التضحية بالرحمة ، وإذا اخترنا المساواة ، فقد نضحي بقدر معين من الحرية الفردية ..
ومن وجه آخر هل يصح أن نعذب أطفالًا كي ننتزع منهم معلومات عن خونة أو مجرمين خطرين ؟ وهل للمرء أن يقاوم حاكمًا ظالمًا ، ولو أدى ذلك إلى مقتل والديه أو أطفاله ؟ ؟
كل هذا لا يستطيع العقل أن يعطي أجوبة واضحة وقاطعة عنه . وننتهي من هذا إلى أن كل مجتمع يحتاج إلى مقدار مّا من تلك الفضائل والنظم ، كي يجعل حياته متوازنة ومتسقة ، فكيف يتم تحديد ذلك المقدار ؟
إن المنهج الرباني لا يحدد لنا على نحو دقيق القدر المطلوب من التماثل الاجتماعي ، ولا القدر المطلوب من الحرية الفردية ، أو العدل أو الرحمة .. لكنه يضيق دوائر الاختيار ، ومساحات البحث والاجتهاد ؛ والفارق بين المهتدي بنور الله والمحروم منه كالفارق بين من يبحث عن إبرة في صحراء ، ومن يبحث عنها في غرفة . على الجميع أن يبحث ، ولكن حظوظ العثور على المطلوب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا ، كما أن إمكانات الوقوع في الخطأ ، هي الأخرى متفاوتة كذلك .
إن العقل بطبيعة تركيبه لا يستطيع أن يعمل في أي مجال: فلسفي أو تنظيمي أو تقني إلا إذا أُسعف بإطار توجيهي يهيئ له مقدمات ، وبعض المدخلات الضرورية ، وإن المنهج الرباني عقيدةً وشريعةً هو الذي يوفر ذلك الإطار .
في مجال التربية الاجتماعية مثلًا نجد أن الشريعة الغراء حددت لنا محاور أساسية ، يجب أن ترتكز عليها أنشطتنا التربوية ، وهي ما سماه أهل الأصل بالكليات أو الضرورات الخمس ، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال ، وقد تكفّل الفقه الإسلامي بتوفير الأحكام والأدبيات التي ترسم حدود الحركة التربوية في ظل هذه المحاور الخمسة ، كما وضحت المرتبية التي يجب اتباعها عند ضرورة التضحية ببعضها لحفظ الآخر ، على ما هو واضح في كتب الأصول والفقه ؛ فالشأن التربوي لدينا على علاته أفضل مما هو موجود لدى دول كثيرة متقدمة عمرانيًا ؛ وذلك بسبب وجود هذا الإطار التوجيهي ، وهذا كله مع أن أكثر الشعوب الإسلامية تعاني من أوضاع معيشية قاسية ، والجرائم بأنواعها لدينا أقل ، والتماسك الأسري والاجتماعي أفضل .
إن محنة العقل الذي نسي الله لم يحن أوانها بعدُ ، ولكن إذا وصل النمو الاقتصادي إلى حدوده القصوى ، وانتشرت البطالة ، وعم ضنك العيش ، فسوف يرى كل المعرضين عن دين الله أن الليبرالية والرأسمالية ليست أفضل ما أنتجه العقل البشري ، وأن الخلاص يتطلب مراجعة جذرية ، من أجل العودة إلى سبيل الرشاد .
الإنجازات الحضارية وسعادة الأفراد ، ووحدة الكيان الحضاري ، كل ذلك سيكون على حافة الهاوية إذا لم يضئ كل منعطفات الطريق شعاع من الغاية الكبرى ، وإذا لم تتلفع جميعًا بهدي من هدي الله ؛ والله غالب على أمره .
(1) أخرجه البخاري
طرق الطرح العلماني
د.عمر المديفر
ليست أساليب وطرائق العلمانيين في طرحهم للمبدأ العلماني واحدة، بل هي متغيرة بحسب الزمان والمكان ، وهذه التغيرات قد تشمل أساليب الخطاب ، وقد تمتد إلى أساليب عرض المبدأ العلماني ، وهكذا ..، فبينما تطرح العلمانية في قطر معين على أنها مضادة للدين ، تطرح في قطر آخر على أنها موافقة للدين. وفي بلد ثالث تُفرض فيه العلمانية ببطء وحذر شديدين حتى لا تلفت الأنظار إلا بعد كونها واقعًا لا مناص منه.
لقد كان كثير من العلمانيين في بدايات هذا القرن الميلادي لا يتقربون إلى الدين وأهله، وكانت شعاراتهم تتراوح بين القومية والشيوعية والاشتراكية، ولكن حينما اشتد ساعد الصحوة، وبدأ المسلمون يشعرون بقيمة دينهم ، بدأ العلمانيون بكافة أصنافهم بالتقرب إلى الدين ، وبمحاولة إيجاد صيغة تجمع بين علمانيتهم ومقاصدهم الشخصية وبين استغفال الشعوب المسلمة والاستخفاف بها من خلال التظاهر بالمظاهر الإسلامية!
فعلى سبيل المثال ، كان شبلي العيسمي (السوري الدرزي الذي فرّ من سورية إلى العراق سنة 1967م) أحد منظِّري البعثية في العالم العربي لا يأتي للإسلام بذكر فيما يقرب من عشرة مؤلفات صدرت حتى عام 1984م ، أما ما بعد ذلك فقد ألف عن كون العرب مادة للإسلام ، وعن"عروبة الإسلام"!! وكذلك كانت حال بقية المنظرين للعلمانية (1) .
وكل هذا التغيير يدلنا على أن العلمانية ليست مقنعة كمنهج في العالم الإسلامي ، لأن المسلم - مهما بلغ انحرافه - يشعر بارتباط الإسلام بالحياة العامة، ويشعر بكون الإسلام له سلطان على كافة أنحاء الحياة ومجالاتها، ولهذا نجد المسلم الذي لم تفسد فطرته لا يفكر في إمكانية الخروج عن شريعة الله ، ومن هذا المنطلق يرفض العلمانيون أن يُستفتى الشعب في إقرار أو منع الدستور العلماني ، لأنهم يعرفون حتمية خسرانهم.
وهذه التغيرات تدلنا أيضا على أن العلماني ليس له هدف سامٍ وهو رفعة الوطن - كما يقول - بل هدفه هو الوصول لمصلحة شخصية، والأمثلة على هذا كثيرة ممن كانوا معارضين لأنظمتهم الحاكمة، ثم حينما اشتُريت مبادئهم بمنصب ودخل مادي انقلبوا مدافعين عن تلك الأنظمة !!
ويمكننا تقسيم أساليب الطرح العلماني إلى طرح مكشوف وآخر ملتوٍ مموّه!
1 -الطرح الصريح:
وهذا الأسلوب هو أسلوب العلمانيين الأقحاح ، الذين يستطيع المرء أن يصفهم بالغلو العلماني بلا تردد، لصراحتهم حول هذا المبدأ، وهؤلاء أمِنوا العقوبة لأنهم في بلد تحكمه العلمانية، والشرائع الجاهلية، التي تسمح لهؤلاء بالانتقاص من قدر الدين ، والتعدي عليه ، في حين تكمم أفواه الدعاة، والذين يريدون الدفاع عن دينهم!!
ويرتكز هذا الطرح على ما يلي:
أ- مدح الغرب وإطراؤه ، ودعوة الأمة إلى اللحاق بركبه والتأسي بتجربته في رمي الدين جانبًا وعزله عن الحياة، وعن هذا يقول أحدهم تحت عنوان"درس النهضة الأوربية"وهكذا نستخلص من استيعاب درس النهضة وموقفها من التراث حقيقتين على أعظم جانب من الأهمية: