فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 2255

إن تيار الشهوات والمغريات الذي يجتاج كل ما يجده أمامه اليوم ، لا يقاوم إلا بتيار روحي فياض ، يعب منه المسلمون ما يسمو بهم عن أوحال الملذات والمتع الدنيوية ، ويعوضهم عن نشوتها . ولذا فإن (أدب الوقت) يقتضي من المربين والعلماء الناصحين وأهل الفضل ، التوجيهَ إلى إثراء حياة الشباب والناشئة بالأعمال الروحية وعلى رأسها الذكر حتى لا يقعوا في مصيدة النسيان واللهو والإعراض عن الله تعالى .

إن مما صار شائعًا أن ترى بعض العاملين في حقل الدعوة ، وقد شُغلوا بضروب من أعمال الخير ، لكن الجانب الروحي لديهم صار ذابلًا ، وأقرب إلى الجفاف بسبب إفراغ طاقاتهم في السعي إلى تحقيق أهداف عامة ، كنفع الناس ، أو الدعوة إلى الله تعالى دون أن يستحضروا النية ، ودون أن يطبعوا على ذلك اسم الله تعالى ودون أن يعطروه بشذى من الصلة به ، والإحساس العميق بالامتثال لأمره .

وكانت نتيجة ذلك أن فقدت تلك الأنشطة نكهتها وتأثيرها ، وقصّرت عن بلوغ أهدافها ، بل صار تسرب حظوظ النفس إليها أمرًا قريبًا وواردًا . إن البنية العميقة للثقافة الإسلامية متمحورة على نحو أساسي حول تعظيم الله ومرضاته ، وإن المسلم إذا فقد قوة الشعور بالارتباط بذلك ، لن يسعى في إعمار الأرض ، وإذا فعل ذلك فإن عمله لن يكون له أدنى تميز ، وسيخبط ، ويرتع كما يفعل غيره !

2-هناك مستوى آخر من نسيان الله جل شأنه يتمثل في تخطيط شؤون الحياة بعيدًا عن الاهتداء بكلماته ، والتقيد بالقيود التي فرضها على حركة عباده . وهذا في الحقيقة هو النسيان الأكبر .

وعند تقليب النظر في واقع أمة الإسلام اليوم نجد أن نسبة محدودة من المنسوبين لهذه الأمة تلتزم على نحو كلي بفعل الواجبات ، وترك المحرمات . وبما أن الإحصاء حول أي شيء ليس مرغوبًا فيه ، فإننا لا نعرف ، ولا نحزر الاتجاه الذي تسير فيه تلك النسبة المحدودة من الملتزمين: هل هو النمو ، أو هو الانكماش والانحسار ؛ لكن من الواضح أن العديد من القيم والأخلاق الإسلامية العتيدة بدأ يفقد التأثير في ضبط السلوك ، وتكوين المواقف ؛ لأسباب عديدة ، ليس هنا موضع ذكرها . وحين تسمع لكلام كثير من ذوي النفوذ والثقافة في الساحات الإسلامية لا تجد في أحاديثهم وخطابهم العام ما يدل في الشكل أو في الروح على أنهم على شيء من ذكر الله والدار الآخرة ، أو أنهم متأثرون بشيء من منهجيات هذا الدين وأدبياته ، على الرغم من أنهم يُذكرون في عداد المسلمين !

وإن مما يلاحظ في هذا السياق أن تطورًا مريعًا قد اجتاح لغة الخطاب لدينا خلال السنوات العشر الماضية ، فقد كانت لدينا قيم موضوعية ثابتة ، على من يستحق الثناء أن يتخلق بها ، وقد كان الناس يقولون: فلان طيب (ابن حلال) خلوق ، صالح ، مستقيم ، تقي ، متواضع .. أما اليوم فإن ألفاظ المديح تتمحور حول عدد من المزايا الشخصية المرتكزة على مهارات معينة ، وعلى علاقات اجتماعية واسعة ، هي أشبه بما على (مندوبي المبيعات) أن يتقنوه ! وصار يقال:

فلان ناجح ، شاطر ، اجتماعي (دبلوماسي) حَرِك ، مَرِن ، أثبت ذاته ، وحقق وجوده .

وفي اعتقادي أن مثل هذا التطور سوف يجعل المجتمع يموج باللصوص والمرتشين والمحتالين ما دام النجاح ، لا الفلاح ، هو المنظم الخفي للتراتيبية الاجتماعية ! وقد نعد هذا من أسوأ ما شاهدناه من أشكال التطور الأخلاقي والاجتماعي والتربوي ، وسوف تكون له آثار بعيدة المدى في البنية الأساسية للشخصية المسلمة على مدى عقود عديدة قادمة !

3-إن الآية الكريمة صريحة في أن نسيان الله تعالى كان سببًا مباشرًا في جعل المرء ينسى نفسه ، وكأن الذي يضيّع نفسه في عاجلها وآجلها ، يضيّع الدنيا فتلفه المشكلات من كل صوب ، ويضيع الآخرة بخسران النجاة والفوز بالجنة .

إن نسيان النفس ليس على درجة واحدة ، وإن الضرر الذي سيلحق الناس سيكون بالتالي متفاوتًا ، وعلى مقدار النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون التضييع للنفس والدنيا والآخرة .

إن خسران الآخرة للذين ينسون الله ، واضح المعالم ، ويستوي في معرفته العامة لدينا والخاصة ، لكن التضييع لأمر الدنيا هو الذي يحتاج إلى نوع من البيان ، ولعلنا نجلوه في النقطتين التاليتين:

-إن عصر المعلومات الذي يظلنا الآن سيكون والله أعلم أقصر العصور الحضارية ، وسوف يعقبه عصر آخر ، هو عصر (الفلسفة) وبحث المسائل الكلية ، وستطرح الأسئلة الكبرى: من أين جئنا ، ولماذا نحن هنا ، وإلى أين المصير ، ما حدود الطبيعة البشرية ، وما ماهية الخير والشر .. ؟ وإنما نقول ذلك ؛ لأن قراءة التعاقبات التاريخية ، تنبئنا أنه حين تصل حالة مّا إلى حدود متقدمة ، تبزغ من الطبيعة البشرية حالة مضادة لها ؛ فحين تشتد العقلانية أو التقنيّة في أمة ، فإن أشواقًا تنبعث لكسرها ، فينبثق من العقلانيّ العاطفيّ ، ومن التقنيّ الفلسفيّ والفكريّ ، إنه أحد مظاهر سُنّة التوازن التي بثها الخالق جل وعلا في هذا الكون !

ولذا فإن الهمجيّين وسوقة السوقة وحدهم ، هم الذين لا يتشوّفون إلى معرفة مصيرهم النهائي ، وإلى معرفة الغايات الكبرى للوجود !

حين تصير البشرية إلى هذه المرحلة ، سيكتشف الذين نسوا الله ، أنهم لا يملكون أي جواب جازم ، أو مُقْنع على الأسئلة الكبرى المثارة بإلحاح ، بل سيجد الغرب على نحو خاص أنه قد أحرق كل سفن العودة إلى (الوحي) الذي يُعد المصدر الوحيد الذي يجيب على تلك الأسئلة .

وقد كان (أينشتاين) يقول: (إن حضارتنا تملك معدات كاملة ، ولكنها تفقد الإحساس بالأهداف الكبرى) ! .

إن كل إصلاح لشؤون البيئة والاقتصاد ، وإن أي نوع من المحافظة على منجزات البشرية ، سيقتضي من اليوم فصاعدًا تقدمًا ملحوظًا على صعيد (الإنسان) وما لم يحدث هذا التقدم ، فإن كل شيء سيكون في مهب الريح ! !

والملاحظ بقوة أن الحضارة الحديثة بصبغتها المادية ، قد نقلت مجال السيطرة من الإنسان إلى الأشياء ، حيث أضعفت إرادة البشر ، وأحاطتها بكل ما يخل بتوازنها ، وهذا يعني أن الحضارة الغربية ببنيتها الحاضرة ليست مؤهلة للنهوض بالإنسان .

إذا كنا نعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة ، فهذا يعني أن غايات وجودها يجب أن تكون واحدة ، وهذا هو منطوق الوحي ، وهذا ما لا يبصره الإنسان العلماني اليوم ! !

لن تكون الأسئلة المثارة أصيلة إلا إذا كان لها أجوبة موجودة عند جهة مّا وهذه الجهة لن تكون أبدًا الإنسان ، فمن تكون إذن ؟ ؟

إن العقل البشري خلقه الله تعالى ليكون في الأصل عقلًا عمليًا ، وهو في عمله يشبه (الحاسوب) ، وهو كالحاسوب لا يستطيع إدخال تحسينات جوهرية على المدخلات التي يُغذى بها ، وسيكون الأمر مضحكًا إذا عمدنا إلى تشغيل العقل البشري وتحسين طروحاته وعمله بشيء من منتجاته التي تولى تنظيمها الفلاسفة ، وهم الذين لم يفلحوا في الاتفاق على أي شيء ! ! . إن كل شيء اليوم يتقدم إلا الإنسان فإنه في تدهور مستمر ، وإن مما يثير الفَزَع أنه على مدار التاريخ كان التقدم المادي والعمراني مشفوعًا بانخفاض في وتائر التدين والسمات الإنسانية الأصيلة ، مما يدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يوازن بين مطالبه الروحية والجسدية ، دون عون من خالقه .

ولكن المؤسف مرة أخرى أننا لا نريد أن نعترف بذلك ؛ لأن ذلك يقتضي منا تغييرًا هائلًا ، نحن غير مستعدين الآن لدفع تكاليفه !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت