فهرس الكتاب

الصفحة 1772 من 2255

أقول: هذا فيما يخصك من عبادات بدنية أو مالية تريد القيام بها، واما ما يخص الدعوة والدفاع عن الدين فهي ضمن قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} .

ولكن ما المقصود بهذه الآية، قال القرطبي: (هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين... إلى آخر ما قال) .

وعلى أنها محكمة غير منسوخة - وهو الصواب - فإن الحكمة في موضعها، فمن المقام ما يناسبه القسوة والزجر:

قسى ليزدجروا ومن يكن ... ... حازما فليقس أحيانًا وحينا يرحم

إن مقام الدعوة يختلف باختلاف الظروف والأجواء، فإن من الظروف لا يصلح فيها إلا اللين، ومنها ما لا يصلح فيها إلا الشدة والقسوة، وباطل كل البطلان التعميم من غير دليل! وإلا فما معنى قطع يد السارق وجلد الزاني والقاذف ورجم المحصن وجلد شارب الخمر وقتال البغاة وصلب قطاع الطريق و... و... و...؟ هذا في حق المسلمين، وفي حق الكافرين شرع قتالهم وجهادهم ومنابذتهم وعدم مجالستهم، أو بدئهم بالسلام، بل إذا رأيناهم في طريق نضطرهم إلى أضيقه ونحاول أن نذلهم قدر المستطاع، كما هي وصية عمر رضي الله عنه، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، بل أين نحن من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) [البخاري] ؟

إن سياسة الانبطاح للريح، والتي تقول؛ إذا واجهتك الريح فانحني لها لكي لا تسقط، هي سياسة هوجاء، لأني كما قلت؛ من ينحني للريح مرة ينحني مرات، ولئن تصطدم بك الريح فتخر صريعًا على قامتك خير من أن تسفي عليك الريح ما تسفي من الرمال وأنت منبطح لها حتى تموت مدفونًا غير محزون عليك.

نصيحتي؛ أن يتقي الله أصحاب"الأنوثة الفكرية"ويتحرورا من ربقة الانهزامية المقيتة، وذل اليأس المشين، فما علينا إلا أن ندعو إلى الله كما أمرنا، وعلى المولى الهداية، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} .

لقد عاتب الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في غمه الشديد الذي حصل إزاء رد قريش لدعوته، فقال تعالى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، هذا ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يغير ملامح الدعوة ولا معالمها ولم يأتي بشيء من عنده، فما بالكم بمن جعل نفسه وصيًا على الإسلام يختار منه ما يشاء ويرد منه ما يشاء، تمشيًا مع أهل الوقت، وما تفرضه المصلحة المزعومة.

لا زلت أذكر نقاش الهالك رفعت المحجوب عندما كان رئيسًا لمجلس الشعب المصري عندما أجاز الربا، فرد عليه المرشد العام للإخوان، قائلًا؛ هذا توسع في المصلحة ولا يجوز، فقال له الهالك؛ هو كتوسعكم في المفسدة، فسكت المسكين!

ونصيحتي للصحوة؛ أن تتقي الله ولتعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال وأن يتمسكوا بحبل الله المتين ويعتصموا به، إذ أمرنا الله بذلك ولم يأمرنا بالاعتصام بالرجال.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في"الاقتضاء": (وصف الله اليهود بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور النبي الناطق به، والداعي إليه فلما جاءهم النبي الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، فإنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم) .

وقال: (وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يقبلون من الدين لا فقها ولا رواية إلا ما جاءت به طائفتهم ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقا، رواية وفقها من غير تعيين شخص أو طائفة غير الرسول صلى الله عليه وسلم) .

نصيحتي لهم؛ أن يوفروا جهدهم المستفرغ بالدفاع عن الرجال الذين أخطأوا على منهج الإسلام ويجعلوا جهدهم في خدمة النص الشرعي والذود عنه، حتى لا تضيع معالمه بيننا، فلئن ضاعت فعلى الأمة السلام... نصيحتي للصحوة؛ أن نُعَبِدَ الناس لـ"قال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وسلم"، لا لآراء الرجال المنقوصة، وهذه طبيعة البشر النقص...

نصيحتي؛ أن نقف عند النص الشرعي ونعمل بمعطياته، علّ الله أن يرفعنا من ذات الصدع إلى ذات الرجع.

ورحم الله عبد الله بن رواحة عندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في المسجد يقول للناس: (اجلسوا) ، وكان عبد الله خارج المسجد لم يصل الباب بعد، فجلس لتوه قبل أن يدخل المسجد، في الرمضاء تحت وهج الشمس وأشعتها المحرقة، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن رواحه: (ما حملك على هذا؟!) ، فقال: (يا رسول الله سمعتك تقول اجلسوا فما طابت نفسي أن أتخطى أمرك!!) .

الله المستعان أين نحن من هذا الجيل الإيماني الفريد؟!

اللهم انصر كتابك وسنة نبيك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه؛ عبد العزيز بن صالح الجربوع

14/8/1422هـ

الحملة العالمية ؛ زيف وخداع وشعارات كاذبة

[الكاتب: يوسف العييري]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لملة خير عباده من غير سؤال ، ونسأله أن يثبتنا عليها حتى الممات ، والصلاة على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:-

رب يسر وأعن ...

قبل أن أبدأ لابد أن أوضح حقيقة لست في شك منها ، وهي أني على قناعة بأن كلًا ميسر لما خلق له ، وأن كل مسلم يمثل لبنة في بناء صرح الأمة ، ومالا يحسنه هذا ، فإن ذاك يتقنه ، وأني أؤيد كل عمل يجلب للأمة أي خير ويدفع عنها أي شر ولو كان يسيرًا ، فلا أحجر واسعًا وكل ميسر لما خلق له ، وحينما أنكر على هذه الحملة ، فأنا لا أنكر المشروع كونه مشروعًا هادفًا ، لصالح الأمة في فكرته الأصلية ، ولكن أنكر الشعارات التي لا تحمل مضمونًا ، و أنكر التناقض بين التنظير والتطبيق ، و أنكر الأسلوب غير الشرعي الذي تبنته هذه الحملة .

و أعتذر قبل أن أبدأ لبعض النعام ، فلست أقصد جرح مشاعرهم المرهفة ، ولكن أقول بأن أسلوب دس الرأس في التراب خشية رؤية الحقيقة لم يعد يناسب هذا العصر ، فعلى كل النعام أن تتخلى عن هذا الأسلوب ، وتحاول أن تستبدله بأسلوب مواجهة الأمر الواقع ومعرفة الحقائق ، والقول للمسيء أسأت مهما كان منصبه وقدره ، فهذه أول خطوات علاج المشكلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت