فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 2255

ولقد أضاع المسلمون كثيرًا من الوقت منبهرين بما حققه الغرب، دون أن يتأملوا ويدركوا سر حركة التاريخ في الغرب، فنرى كثيرًا من الباحثين والمفكرين المسلمين بمختلف انتماءاتهم يجهلون حقيقة الحياة الغربية والحضارة الغربية بالرغم من أنهم يعرفونها نظريًا، كما أنهم ما زالوا يجهلون تاريخ حضارتها. وإنه بدون معرفة حركة تاريخ هذه الحضارة والمنطق الداخلي الذي يحكمها؛ فإننا لم ندرك سر قوتها ولا مكامن ضعفها، ولم نعرف كيف تكونت، وكيف أنها في طريق التحلل والزوال لما اشتملت عليه من ألوان التناقض، وضروب التعارض مع القوانين الإنسانية.

وإذا كانت المائة سنة الأخيرة قد تميزت بتقريب المسافات، واتجاه البشرية نحو التوحد، في مصيرها، وفي علاقاتها؛ فإن المثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، ويرتقي إلى إطار الحضور العالمي، وعيًا وإنجازًا، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي، إذ لا يمكن أن نطرح مشاكلنا في زمن العولمة والكونية، دون أن نأخذ في الاعتبار كل المعطيات السياسية والجغرافية والاستراتيجية.

وتحديد الصلة بالغرب وبغيره من الكيانات الحضارية، يعطينا تحديدين مهمين في إنجاز مشروعنا التجديدي: التحديد الأول؛ هو التحديد السلبي، وذلك من خلال إدراك نسبية الظواهر الغربية، ومعرفة أوجه النقص فيها وأوجه العظمة الحقيقية. أما التحديد الثاني؛ فهو التحديد الإيجابي، من خلال تحديد ما يمكن أن نسهم به في ترشيد الحضارة الإنسانية وهدايتها.

وهذا في حد ذاته ينضج ثقافتنا ويعطيها توجهًا عالميًا؛ فمن المفيد -قطعًا- أن ننظر إلى حركة التاريخ والواقع من زاوية عالمية لنكتسب بذلك وعيًا عالميًا؛ فإذا أدركنا مشكلاتنا في هذا المستوى، فإننا سندرك لا محالة حقيقة الدور الذي يناط بنا في حضارة القرن الواحد والعشرين.

وعلينا أن ندرك وحدة المشكلة الإنسانية التي تنبثق عن المصير المشترك الذي آل إليه وصب فيه القرن العشرون وبدأ به القرن الواحد والعشرون. إن فكرة وحدة التاريخ الإنساني في هذه المرحلة التاريخية تتطلب منا الخروج من العزلة الجغرافية السياسية والعزلة الفكرية الثقافية لنخرج بأفكارنا وثقافتنا إلى إطار عالمي نقدم فيه مساهمتنا الحضارية المتميزة القائمة على رؤية توحيدية إسلامية من أجل صالح البشرية.

كما ينبغي أن ننظر بتوازن للأشياء وللأفكار، والتخلص من الثقافة الحدية التي ترى في الغرب إما طاهر مقدس (كما هو شأن العلمانيين من أبناء المسلمين) ، وإما دنس حقير (كما هو شأن الإسلاميين من أبناء المسلمين) . ومن بين الأمور التي ينبغي التوازن في النظر إليها هي الحضارة الغربية التي تبسط هيمنتها على العالم؛ فأحكامنا على هذه الحضارة -سلبًا أو إيجابًا- إنما هي ناتجة عن مطالعات مبتورة.

فأفكارنا عن الحضارة الغربية تصدر عن ذلك الحكم المبتسر، وعن تلك العلاقة السطحية -الوظيفية أو التجارية- بيننا وبينها. وهذا مرض متجذر في ذاتنا منذ قرون مضت، حينما صار الفكر الإسلامي عاجزًا عن إدراك حقيقة الظواهر، فلم يعد يرى منها سوى قشرتها، وأصبح عاجزًا عن فهم القرآن؛ فاكتفى باستظهاره، حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الغربية على بلاده اكتفى بمعرفة فائدتها إجمالًا، دون أن يفكر في نقدها، وتفهمها، وغاب عن وعيه أنه إذا كانت الأشياء قابلة للاستعمال، فإن قيم هذه الأشياء قابلة للمناقشة.

ومن ثم وجدنا أنفسنا لا نكترث بمعرفة كيف تم إبداع الأشياء؛ بل نقنع بمعرفة طرق الحصول عليها، فاستحكم فينا ذهان السهولة، وهكذا كانت المرحلة الأولى من مراحل تجديد العالم الإسلامي، مرحلة تقتني أشكالًا دون أن تلم بروحها، فأدى هذا الوضع إلى تطور في الكم، زاد في كمية الحاجات دون أن يعمل على زيادة وسائل تحقيقها، فانتشر الغرام بكل ما هو مستحدث، وكان الأولى التفريق بين عمق الحضارة ومظاهرها السطحية.

الحضارة الغربية وأسباب الفناء العاجل

أنور قاسم الخضري*

لست مجازفًا عندما أتحدث عن فناء الحضارة الغربية، ولست بدعًا في ذلك، فكم هي التنبؤات التي سطرتها الكتب المختلفة - ومنها لمؤلفين غربيين - عن هذا الفناء والزوال القادم على الحضارة الغربية.

كما أنني في هذا الباب لست إلا مذكرًا بالحقائق، ومؤكدًا على الشواهد، ومنبهًا لكل مفتون.

وإذا كان الأمر كذلك فما مصير القيم الغربية التي تعلقت شعوب الأرض بها؟! وما مصير الشعارات المستوردة من هناك إلينا.. هل ستزول بزوال الأصل أم أنها ستعالج سكرات الموت لأجل آخر قريب؟!

لعلَّ ذلك يكون مدار حديث آخر، أما هذه الأسطر فهي في المحاور التالية:

* عذراء أم عجوز:

هذا سؤال يطرح نفسه في موضوعنا هذا هل الحضارة الغربية عذراء أم عجوز!!

ظاهر هذه الحضارة البراقة التي يراها أغلب الناس أنها عذراء... كيف لا وهي حضارة المساحيق والمكياج والأصباغ.

إلا أن نظرة فاحصة إلى وجه هذه الحضارة تؤكد لنا أن هذه العذراء عجوز عقيم بكافة المقاييس المادية والمعنوية.

فمن الناحية المادية أكد تقرير إحصائي عن التركيبة السكانية في أوروبا أن 25% من سكان أوروبا سوف تكون أعمارهم في عام 2025م فوق 65 عامًا، أي ما يعادل ربع سكان أوروبا، أما المسنين في أمريكا فوق 65 عامًا فسيبلغون في العام ذاته 20% - أي خمس السكان - هذا في تقديرهم، والله أعلم بخلقه.

وهنا نسرد الأسباب التي تقف وراء كون سكان الحضارة الغربية عجزة مسنين:

1.الحروب الضخمة التي أحرقت في أوج احتدامها شباب أوروبا وأمريكا، ومن أهمها الحربين الأولى والثانية.

فيما قتل في أتون المعركة 20 مليون نسمة في الحرب العالمية الأولى التي أنفقت فيها الدول المشاركة 82.4 مليار دولار، قتل أيضًا في الحرب العالمية الثانية ما يقدر بـ35مليون نسمة، وبلغت نفقات التسلح 1100مليار دولار، فيما بلغت خسائر الدول من الحرب 2100 مليار دولار، وقد ذكرت مجلة غربية أن عدد ضحايا الحروب في القرن الماضي يزيد على 207 ملايين نسمة كان للحروب الأهلية والقومية والاستعمار الغربي فيها النصيب الأكبر.

2.التفكك الأسري وبروز مفهوم حرية المرأة الذي دفع بأغلب نساء المجتمع للتعلم والعمل والإعراض عن تحمل أعباء المنزل وتربية الأطفال، مما قلل من حالات الإنجاب المبكر الكثير.

3.الإعراض عن الزواج أو تأخيره والبحث عن الشهوة الجنسية فقط حتى ظهرت ثقافة الجنس عوضًا عن ثقافة الأسرة.

4.الإجهاض والذي أصبح ظاهرة متزايدة في الغرب لدوافع كثيرة، حتى أصبحت القوانين والتشريعات في أغلب الدول الغربية تغض الطرف عنه أو تسمح به.

في أمريكا وحدها وفي عام واحد 85 م سجلت 400ألف حالة إجهاض للفتيات ما بين 12- 17 سنة، ولك أن تتخيل باقي فئات الأعمار الأخرى.

5.العنف: حيث حوادث الاعتداء والقتل والاغتصاب والضرب المبرح.

يقول كلينتون مخاطبًا الكونجرس: نحن أقوى وأكبر وأغنى وأجمل دولة في العالم، لكننا مع الأسف الشديد الدولة الأولى في العالم في الجريمة.

وقال: أعد الجميع بتعيين 100.000 رجل شرطة.

وتشير جميع الإحصائيات في أمريكا إلى أن أغلب ضحايا العنف هم الأطفال سواء بالقتل أو الضرب أو الاغتصاب مما يدفعهم في كثير من الأحيان إلى الانتحار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت