فهرس الكتاب

الصفحة 1410 من 2255

وثالثًا: فهم التطوّر التكنولوجيّ الهائل الذي ميّز الحضارة الغربيّة المعاصرة، والأبعاد التي أضفاها على منظومة القيم والمعايير، وما أدّى إليه من تغيّر النظرة إلى الإنسان ومكانته وماهيّته ووجوده. أو ما عبّر عنه ابن نبي بِـ"تقدّم العلم وتخلّف الضّمير".

وفي الختام نقول: إنّه بهذه الاستراتيجيّة يمكن أنْ نحيط بالظاهرة وأنْ نستوعبها فهمًا، وبعد ذلك يمكن أنْ نحلّ الإشكالات المطروحة، ونستطيع أنْ نتحدث عن الحضارة العالميّة أو الكونيّة.

بدع الاعتقاد وأخطارها على المجتمعات الإسلامية

الشيخ محمد حامد الناصر

موقع الكاشف

موقع صيد الفوائد

المقدِّمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصلى الله على رسولنا الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب:70-71] .

أما بعد:

فإن هذا البحث قد جاء إيضاحًا وتفصيلًا للباب الأخير من كتابنا السابق. (1)

والذي تحدثنا فيه عن مظاهر الانحراف في المجتمعات المعاصرة. تلك الانحرافات التي تتمثل في ظهور الإلحاد - بينما لم يسبق لعرب الجاهلية أن عرفوا الإلحاد تمامًا وإنما أشركوا الله شرك الألوهية.

وتتمثل في عودة الشرك بنوعيه، وسيادة القوانين الوضعية في معظم ديار المسلمين.

وتتمثل في شيوع البدع في معظم المجتمعات الإسلامية.

* ولما كان موضوع البدع العقدية - خاصة - شائعًا وخطيرًا، وجاء موجزًا في ذلك الكتاب، فقد فصلت القول فيها وأفردت لها هذا الكتاب.

واقتصرت على البدع العقدية، كثيرة الانتشار في مجتمعاتنا المعاصرة، والشائعة بين الناس، لخطورتها على عقيدة الأمة، ولما تشيعه من مفاسد في حياة المسلمين، وخاصة أنها ترفع شعارات الإسلام بأساليب ملتوية، ابتعدت بها عن هديه الصافي.

* وقد تحدثت عن فكر الإرجاء الذي مازال يتسرب إلى عقول الأمة وقلوب أبنائها.

وعن الغلو في الدين (( التطرف ) )، ولعله امتداد لفكر الخوارج من بعض الوجوه -كما سيأتي- وعن التصوف بمعتقداته وأساليب أهله في التربية والسلوك.

أما العقلانيون أحفاد المعتزلة في تأليه العقل ومعتقدات أخرى، فسوف نخصهم ببحث مستقل (2) ، إن شاء الله تعالى.

* وقد حاولت جاهدًا أن أرجع إلى آراء هذه الفرق في كتب أصحابها، وإلى البحوث الحديثة التي تحدثت عنهم، لألقي الضوء على عقائدهم وأفكارهم، وربطت هذه العقائد بجذورها القديمة، مع التركيز على الآثار السلبية لهذه البدع على مجتمعاتنا المعاصرة.

وذلك مساهمةً مني في بيان الحق، وقمع البدع، عسى أن يتوب جاهل، أو يعود مغرر فيه، وأن تكون هنالك مناعة وتحصين لمن لم تصله لوثة هؤلاء المبتدعة.

* وقد حاولت جاهدًا -كذلك- أن ألقي الضوء على الأفكار والمنطلقات، مبتعدًا عن تجريح الأشخاص، ورؤوس هذه التيارات، لأن القصد هو بيان الحق وإبراء الذمة، والمشاركة في إنقاذ هذه الأمة مما تعانيه من تفكك واضطراب.

* وقد جاء الكتاب في تمهيد وثلاثة أبواب:

1-الباب الأول: في ظاهرة الإرجاء، وبيان أخطارها على المجتمعات المعاصرة.

2-الباب الثاني: خصص للحديث عن الغلو في الدين (( التطرف ) )وقد تحدثت فيه: عن ظاهرة التطرف في حياة المسلمين المعاصرة.

كما تعرضت لتطرف الأعداء وغلوهم في القديم والحديث، واستغلالهم لهذه الظاهرة - على قلة القائلين بها - من أجل شن حملتهم ضد ما أسموه (( بالأصولية الإسلامية ) )للتنفير منها.

3-الباب الثالث: في التصوف، نشأته واشتقاقه وانحرافاته وآثاره في حياة الأمة.

والله أسأل أن يلهمنا الصواب في القول، والإخلاص في العمل، إنه سميع الدعاء.

محمد الناصر

مكة المكرمة: 4/7/1415هـ

بين يدي البحث

مفهوم أهل السنة والجماعة

ومنهج أهل البدع في الاستدلال

1-مفهوم أهل السنة والجماعة.

2-مفهوم البدعة: تعريفها وأنواعها وأحكامها.

3-الحجة للكتاب والسنة لا للرأي والعقل.

4-منهج أهل البدع في الاستدلال.

1-مفهوم أهل السنة والجماعة:

لقد كان لأهل السنة والجماعة منهجهم في تناول القضايا الشرعية، إذ يعتمدون على الكتاب والسنة، ومنهج السلف في القرون الثلاثة الأولى، خلافًا للفرق المنحرفة الضالة.

فمن هم أهل السنة والجماعة يا ترى؟!

(( إنهم هم الذين اعتصموا بكتاب الله تعالى، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في عقائدهم، وسائر أصول دينهم. ولم يعارضوا نصوصهما بالعقل أو الهوى، وتمسكوا بما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، من دعائم الإيمان، وأركان الإسلام، كالحسن البصري، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، والبخاري، ومن سلك سبيلهم والتزم منهجهم عقيدة واستدلالًا.

أما هؤلاء الذين خرجوا عنهم في مسائل من أصول الدين، ففيهم من السنة بقدر ما بقي لديهم مما وافقوا فيه الصحابة (رضي الله عنهم) وأئمة الهدى من مسائل أصول الإسلام، وفيهم من البدع والخطأ بقدر ما خالفوهم فيه من ذلك قليلًا أو كثيرًا... )) . (3)

(( فأهل السنة والجماعة هم المستمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والتقوى والعمل إلى يوم الدين، هم الذين استقاموا على الاتّباع وجانبوا الابتداع في أي مكان وأي زمان، وهم باقون ظاهرون منصورون إلى يوم القيامة ) ). (4)

(( وأهل السنة والجماعة لا يعتدون ولا يقتدون ولا يلتزمون إلا بعلم وسلوك السلف الصالح، ومن أخذ عنهم والتزم جماعتهم، وسار على دربهم، وتقيد بأصولهم، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم، تعلموا تفسير القرآن والحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا رأي ولا ذوق ولا عقل ولا وجد غير ذلك ) ). (5)

(( إن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة، ومن رغب عن الجماعة وفارقها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالًا مضلًا.

والأساس الذي بنيت عليه الجماعة هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رحمهم الله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلال وأهله في النار )) . (6) ولو كثروا، فقد نقل عن الفضيل بن عياض قوله: (( اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين ) ). (7)

ومعنى الجماعة: يمكن أن يصنف في مجموعتين:

المجموعة الأولى: وتجتمع فيها أربعة أقوال:

1-الجماعة السواد الأعظم من أهل السنة.

2-الجماعة هي أئمة العلماء المجتهدين.

3-الجماعة هم الصحابة على وجه الخصوص.

4-الجماعة هم أهل الإسلام مقابل الكفار.

فمدار هذه الأقوال كلها مبني على معنى الاتباع، لذلك فإن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد هم الجماعة. (1)

أما المجموعة الثانية: فهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على الإمام الشرعي، وهو القول الخامس.

وإذا درست النصوص السابقة التي وردت في الجماعة ينظر في سياقها، وكلام أهل السنة في كل نص، ثم ينزل النص على المعنى الواقع عليه من الإطلاقين، إذ لا تعارض بينهما (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت