فهرس الكتاب

الصفحة 1411 من 2255

* ومن هؤلاء الفرقة الناجية التي وصفها ابن تيمية رحمه الله فقال: (( أحق الناس أن تكون الفرقة الناجية: هم أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع تتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم هم فقهاء دينها، وأهل معرفته بمعانيها، واتّباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتّباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ).

ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره، من كلام أصناف الناس )) (10) .

هذه هي طريقة السلف من أهل السنة والجماعة، اتّباع لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولن ينصر الإسلام وأهله إلا بالعودة إلى المنبع الصافي أما أهل البدع فلا يتبعون إلا الهوى والرأي عاريًا عن الدليل الصحيح من الكتاب والسنة.

قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (( قبض رسول الله وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نتبع الرأي، فإنه إذا اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا لا يتم ) ). (11)

وقال أيضًا رحمه الله: (( السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك ) ). (12)

2-البدعة: تعريفها وأنواعها وحكمها:

البدعة: مأخوذة من البدع وهو الاختراع على غير مثل سابق.

وفي الدين: هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به الدين أمر إيجاب أو استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. (13)

والابتداع على قسمين:

-ابتداع في العادات: كالمخترعات الحديثة، وهذا أمر مباح.

-وابتداع في الدين وهو نوعان:

أ- بدعة قولية اعتقادية: كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة، والمعتقدات المنحرفة للفرق الضالة كلها.

ب- بدعة في العبادات: كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها وهي أنواع:

-ما يكون في أصل العبادة: مثل ما يسمى أعياد المولد ونحوها، أو إحداث صلاة غير مشروعة، أو صيام غير مشروع، أو أعياد غير مشروعة.

-ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة: كما لو زاد أحدهم ركعة خامسة في صلاة الظهر والعصر مثلًا.

-ما يكون في صفة أداء العبادة: كالأذكار بأصوات جماعية مطربة.

-تخصيص وقت للعبادة المشروعة: كليلة النصف من شعبان للصلاة والقيام فيها، أو صيام يومها، فأصل الصلاة والصيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت يحتاج إلى دليل. (14)

ومن أبرز الأسباب المؤدية إلى البدع:

-الجهل بأحكام الدين.

-اتّباع الهوى والخضوع لسطوة العادات.

-التعصب لآراء الرجال، مما يحول بين المرء واتّباع الدليل.

-التشبه بالكفار في عاداتهم وأساليب حياتهم وتفكيرهم. (15)

هذا ومن المعلوم (( أنه لا حرج في أخذ العلوم الدنيوية عن غير الرسول صلى الله عليه وسلم ، مثل الطب والحساب والفلاحة.

أما الأمور الإلهية والمعارف الدنيوية، فهذا العلم يؤخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا غيره )) . (16)

(( ذلك أن التصور الإسلامي يدع للعقل البشري، وللعلم البشري ميدانه واسعًا كاملًا، فيما وراء أصل التصور ومقوماته، ولا يقف دون العقل يصده عن البحث في الكون، بل يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه دفعًا.. ) ). (17)

وأصل البدع، كما قال عبد الله بن المبارك: أربعة أهواء ومن هذه الأربعة أهواء تشعبت الاثنتان وسبعون هوى: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج.

-فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا على أصحاب رسول الله، ولم يتكلم في الباقين الآخرين، ودعا لهم، فقد خرج من التشيع أوله وآخره.

-ومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره.

-ومن قال: الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره.

-ومن قال: المقادير كلها من الله عز وجل، خيرها وشرها، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره وهو صاحب سنة. (18)

حكم البدعة في الدين:

كل بدعة في الدين محرمة وضلالة لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ). (19)

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) ). (20)

فدل الحديث على أن كل محدث في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقاد محرمة، ولكن التحريم يتفاوت حسب نوعية البدعة.

* فمنها ما هو كفر صريح كالطواف بالقبور تقربًا لأصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم، وكذلك مقالات غلاة الجهمية…

* ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها.

* ومنها ما هو فسق اعتقادي: كبدعة الخوارج والقدرية، والمرجئة فيما خالفوا فيه الشرع.

* ومنها ما هو معصية: كبدعة الصيام قائمًا في الشمس، وكبدعة التبتل. (21)

وقد حذر السلف من البدع وبينوا خطورتها، حتى قال بعضهم (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية) ، لأن المعصية قد يتوب صاحبها أما البدعة فنادرًا ما يرجع عنها.

ونهوا عن توقير أصحاب البدع، بل دعوا إلى هجر أصحابها.

عن هشام بن عروة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ) )لأن توقيره مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم:

إحداهما: إلتفات العامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس، فيؤدي ذلك إلى اتّباعه على بدعته دون اتّباع أهل السنة على سنتهم.

الثانية: أنه إذا وقره من أجل بدعته صار ذلك كالمحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء، فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه. (22)

ويكفي المبتدع إثمًا أن عليه وزر من يعمل ببدعته، ففي الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( من سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا ) ). (23)

وقد غزت البدع بأنواعها المجتمعات الإسلامية، وخاصة في هذا العصر، حتى كادت أن تطغى على كثير من طوائف المسلمين، مما سنوضحه في هذا الكتاب إن شاء الله.

3-الحجة للكتاب والسنة لا للرأي والعقل:

لقد عارض أهل الأهواء الكتاب والسنة معتمدين على تحكيم عقولهم وآرائهم، مما أدى إلى انحرافهم وضلالهم.

وقد وقف علماء هذه الأمة يردون على المبتدعة هؤلاء ويبينون لهم الطريق الأقوم… مع العلم بأن العقل السليم قلما يتعارض مع النقل الصحيح. قال شارح الطحاوية:

(( إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفضهما رفض النقيضين، وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على صحته السمع، ووجب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ) ). (24)

فالأصل عند المسلمين عند التلقي هو القرآن والسنة وهما معيار على العقل. قال ابن عبد البر: (( واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والمعيار عليه، وليس الرأي بالمعيار على السنة، بل السنة معيار عليه، ومن جهة الأصل لم يصل الفرع أبدًا… ) )وقال أيضًا: (( من عارض السنن برأيه ورام أن يردها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضل ) ). (25)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت