فهرس الكتاب

الصفحة 1412 من 2255

ويتحدث ابن القيم محذرًا من فساد هذا الطريق، طريق الرأي وحده ويقول: (( لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليها، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في نظرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، حتى رُبي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير، فلم يردّها منكرًا، فجاءتهم دولة أخرى، قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل والضلال مقام الهدى… والجهل مقام العلم.. ) ). (26)

ولاشك أن ابن القيم رحمه الله يحذر من اتّباع الهوى والعقل على حساب النص، أما القياس الذي يعتمد على مشابهة النصوص، والاجتهاد في قضية عند أهل الاجتهاد، فما كان مردودًا عنده ولا عند علماء الأمة.

ذلك: (( أن دلائل العقل قلما تتفق.. وأهل البدعة يأخذون الدين عن المقولات والآراء، فأورثتهم الافتراق.. بينما كان اتفاق أهل الحديث لأنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة، وطريقة النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف ) ). (27)

لقد كان أئمة السلف حريصين على المنهج الصحيح: الكتاب والسنة. فكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الناس: (( إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). (28)

وبعد أن تبين للناس أمر دينهم، فلا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا هدى يركبه، حسبه ضلالة فقد ثبتت الحجة وانقطع العذر - كما روي عن عمر t - فعلينا الاتّباع، لأن الدين إنما جاء من قبل الله تعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة لأمته، وأوضحها لأصحابه، فمن خالف أصحاب رسول الله في شيء من الدين فقد ضلّ. (29)

إلا أن شيوخ الضلال من الجهمية والمعتزلة، اعتمدوا على كثرة الجدل، وضروب الأقيسة، وأنواع الخيال، فضلوا وأضلوا.

يقول ابن القيم رحمه الله: (( أين العلم الذي أسنده محمد بن عبد الله عن جبريل عن رب العالمين سبحانه، من الخواص الذي سنده شيوخ الضلالة من الجهمية والمعتزلة…

وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها… من النصوص التي لا تزول إلا إذا زالت الأرض والسماوات )) (30) ، (( أفيظن المعرض عن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينجو غدًا بآراء الرجال، ويتخلص من مطالبة الله له بكثرة البحوث والجدال، أو ضروب الأقيسة، أو بالشطحات والمشاورات وأنواع الخيال؟‍ (( .(31)

وقال الإمام أحمد رحمه الله فيما صنفه من الرد على الزنادقة والجهمية: (( الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهوى، ويصبرون فيهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحار المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة… ) ). (32)

وما زالت الحرب دائرة يشنها أصحاب البدع في هذه الأيام، من زنادقة وعقلانيين، ناهيك عن المتصوفة الذين تجاوزوا الشريعة إلى الذوق والوجد، أما المستشرقون فقد أشعلوها حربًا خبيثة لا تخبو نيران أحقادها. وإلى هذا أشار السباعي رحمه الله بقوله: (( إنها سلسلة متتابعة من الجهود، لم تنقطع منذ أربعة عشر قرنًا، وستظل قائمة مادام للإسلام أعداء، يغيظهم ضوء الإسلام الباهر فيدفعون بعصبية عمياء حمقاء لتهديم كل ما يتصل به من قرآن وسنة واجتهاد، ولتشويه كل من حمل لواءه، من رسول الله وصحابته إلى حملته من أعلام السنة والتشريع، ولإفساد الحقائق المتصلة به من حضارة وتاريخ ) ). (33)

وقد انتشر إنكار السنة في العالم الإسلامي مع الأسف في الهند وغيرها، تقول دائرة المعارف الإسلامية الأردية: (( لقد تغلب العقل على النقل في الآونة الأخيرة، فأخرج إلى حيز الوجود أناسًا أنكروا حجية السنة، فمنهم من نادى بسلب حق التشريع من المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من فسر الرسول بالقرآن، ومنهم من جعل أحكام النبي حينية خاصة لعصره، ولمن خاطبهم، ومنهم من أقر بحق التشريع له، غير أنه رد السنة لأن روايتها غير ثابتة، ولهذه الطائفة اعتماد كلي على المستشرقين في ترديد الشبهات الواردة على السنة النبوية ) ). (34)

وهذه الدعوة من أبرز خصائص المدرسة العصرية (( العقلية ) )الحديثة مما سنعرضه مفصلًا إن شاء الله في بحث مستقل بعد هذا الكتاب.

4-منهج أهل البدع في الاستدلال:

يعتمد منهج أهل البدع على مناقضة منهج أهل السنة والجماعة خلال القرون الثلاثة المفضلة…

يعتمد منهج هؤلاء على تأليه العقل، وتأويل السنة أو رفضها ورد مقاصد الشارع، وقد جعلوا للهوى على أنفسهم سلطانًا…

(( والمبتدع إنما يكون محصول قوله بلسان حاله أو أفعاله: أن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع، ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم. قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول:(من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا ) ). (35)

(( فهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرًا أو مضاهيًا، حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك ) ). (36)

أبرز انحرافاتهم:

* ومن أبرز انحرافات أهل البدع أنهم يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوا من اللغة، ولهذا لا تجدهم يعتمدون على أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولا الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة، ولا الأحاديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب علم الكلام التي وضعها رؤوسهم )) . (37)

لقد وضح ابن تيمية رحمه الله هنا حقيقة مناهج المبتدعة في تفسير القرآن، وردهم لكل المأثور: من السنة وآثار السلف، وبين الأدوات التي يعتمدونها، من كتب الأدب وعلم الكلام، وهذا هو شأن أتباعهم من مبتدعة اليوم، أصحاب المدرسة العصرانية - العقلية - في تناولهم للتفسير أو الفقه، أو أمور هذا الدين، يحاولون تطويعها حسب متطلبات الحضارة الغربية وآراء أساتذتهم من المستشرقين.

* تأليه العقل:

وذلك من أبرز انحرافاتهم، ولاشك أن مشايخ المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع يعترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر، لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن العقل دلهم عليه )) . (38)

* ومن شأنهم دائمًا الجدل والخصومة، ورفضهم الاحتكام للكتاب والسنة، (( وإذا رأيت الرجل يخاصم في دين الله، ويجادل في كتاب الله، فإذا قيل له، قال رسول الله. قال: حسبنا كتاب الله. فاعلم أنه صاحب بدعة.

وإذا رأيت الرجل إن قيل له لم لا تكتب الحديث؟ قال: العقل أولى، فاعلم أنه صاحب بدعة. قال علماء السنة: ليس في الدنيا مبتدع إلا وقد نزع حلاوة الحديث من قلبه )) . (39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت