فهرس الكتاب

الصفحة 1585 من 2255

إن الرسالة بهذا لا تنطلق من (توصيف دقيق ) لطبيعة الحوار ولا جوهره الحقيقي سواء ما ورد منه في بيان المثقفين الأمريكيين المعنون (لماذا نقاتل) ؟ أو ما يمثل مضمون لطرح السؤال الأشهر لماذا يكرهوننا ؟ وبطبيعة الحال فإنه جاء بعيدا عن جوهر بيان المثقفين السعوديين - ردهم - ومن ثم فإن الاختلاف الأبرز هنا وما ينبغي التعرض له بشأن هذه الرسالة هو العودة للفكرة الجوهرية في الحوار والعودة إلى توصيف الخطر الراهن في العالم باعتباره ليس خطرا من جانب واحد وأن الخطر القائم حتى الآن من الجماعات الجهادية ليس هو الخطر الرئيس على العالم وأنه إذا كان المعيار هو حجم القتلى من المدنيين فإن العراق وحده دفع شعبه مليوني طفل خلال الحظر الاقتصادي -ناهيكم عن أعمال العدوان العسكري المتواصل لعشر سنوات ويزيد - وأنه إذا كان المعيار هو حجم الأضرار على المستقبل فان اليورانيوم المنضب الذي قصف به العراق وأفغانستان يقضي على الحياة البشرية لأكثر من مليار نسمه إلخ. والملاحظة الواجبة هنا هي أن فحوى الرسالة الأمريكية الجديدة هي أن الخطر الذي يجب أن يجرى حوله الحوار هو الخطر الذي يواجه الغرب -الأعمال الجهادية - لا الخطر الذي تتعرض له الأمة العربية والإسلامية وهو خطر الإبادة والفارق كبير وخطير ويشير إلى إن الرسالة السعودية لم تفهم بعد.

سبب المشكلة نحن!

لما كانت الرسالة الأمريكية الجديدة تعمدت الخطأ في التوصيف، فإن تحديدها لأسباب المشكلة بدوره جاء خطأ إذ أشارت الرسالة إلى أن الضرورة تقضي أن ننظر نحن في مجتمعاتنا باعتبارها مجتمعات منتجة للإرهاب.وهنا جاء الاعتراف بأخطاء لأمريكا على سبيل الاعتراف اللغوي، فإذا كانت اللغة جاءت قاطعة في تحديد الألفاظ في قضية ربط أسباب الإرهاب بأوضاع المجتمعات العربية فإن الحديث عن الأسباب العائدة لأمريكا جاء في جملة عابرة جرى تغييب أثرها بالترحيب بنقد الولايات المتحدة ، والأهم هنا هو تحديد سبب المشكلة في أنها مشكلة تتحمل مسؤوليتها مجتمعاتنا، وهو ما يذكرنا بما هو متواتر في تراثنا حول الذئب والحمل أو حول الجلاد والمعذب والقاتل الذي قام أحد بالانتقام منه بعد أن أصر القاضي على الانحياز للقاتل تصريحا وبكل الطرق، وهنا تأتي أهمية الإشارة التي وردت في بيان المثقفين الأمريكيين حول القضية الفلسطينية، حيث جاءت بالإعراب عن حل المشكلة ، ويعود عدم الولوج إليها إلى سبب رئيس، ذلك أنها قضية كاشفة لجوهر الموقف الوارد في رد المثقفين الأمريكيين، حيث إن التعامل معها وطرح الموقف منها إنما يكشف جوهر الموقف الوارد في ثنايا البيان، ذلك إن أبرز القضايا التي تكشف زيف التفكير الوارد في الرسالة الأمريكية هي قضية الجهاد الفلسطيني والعمليات الاستشهادية ترتبط مباشرة في أسباب القيام بالعمليات الجهادية بمواجهة احتلال استيطاني عنصري وبمواجهة مع قوة عسكرية باطشة.ومن يدقق جيدا في البيان الأمريكي يلحظ أنه تنبه لخطورة تعرضه لظاهرة الجهاد الفلسطيني والعمليات الاستشهادية في فلسطين وأعمال الجهاد في الشيشان إلخ، باعتبارها كاشفة لكنه أبى إلا أن يشملها ويدمغها بالإرهاب في عبارة صيغت بدقة متناهية حيث لم يقصر وصفه بالإرهاب على الأعمال (الجهادية) للقاعدة وإنما أضاف إليها تعبير (وما شابه) .

كيف نرد على تلك الرسالة ؟

إن جوهر الرد على تلك الرسالة يأتي من خلال إعادة الحوار إلى أصوله وهي: لماذا أنتجت الحضارة الغربية كل هذا العنف والقتل للشعوب الأخرى .. ولماذا تسعى الحضارة الغربية لاحتلال الأراضي الأخرى وقهر العقائد والثقافات الأخرى وإعادة هيكلتها وتطويعها وفق مفاهيم الحضارة الغربية..ولماذا تمنع الدول القائدة لهذه الحضارة دول الحضارات الأخرى من امتلاك سلاح العلم والتكنولوجيا ولماذا تستخدم كل وسائل القهر والإبادة لتحقيق ما تراه مصالحا لها في بلادنا العربية والإسلامية ولماذا يصبح الحق حقا طالما يحقق مصلحة مادية لهذه الحضارة؟ ويصير الحق باطلا إذا تعارض مع مصالحها المادية إلخ.

إن الخطر الحقيقي على العالم بكل حضاراته هو وصول الحضارة الغربية إلى درجة الإبادة الشاملة للحضارات والشعوب الأخرى والعقائد الأخرى وللأرض والشجر في سبيل تحقيق مصالحها.

* رئيس تحرير صحيفة الشعب المصرية.

ما فرص نجاح الإمبريالية الجديدة؟

جعفر شيخ إدريس

مقدمة:

ظهرت في الغرب في السنين الأخيرة دعوات إلى العودة إلى العهد الإمبريالي لكن يوجه جديد يتناسب مع الظروف الراهنة. وبما شانني كنت قد ناقشت في ورقة سابقة جوانب من فكر هذه الدعوات، فسأكتفي في هذه الورقة - التي هي بمثابة الامتداد لتلك - بمناقشة فرص نجاح الدعوة.

لكن يحسن أن نذكر في البداية بأن هذه الدعوة ليس أمر مستغربًا، إذ أن النزوع إلى الإمبريالية - بمعنى الاستيلاء على أراضي الآخرين وتسخير أهلها وخبراتها ومواقعها لخدمة المصالح القومية للدول المعتمدية الذي سمى تضليلًا بالاستعمار - ممر عميق الجذور في الحضارة الغربية حتى إنه ليكاد يكون جزءًا من نسيجها الذي لا تعرف إلا به- أقول إنه جزء من نسيجها الذي لا تعرف إلا به. أقول إنه جزء من نسيجها لأنه ليس أمرًا تنفرد به الحكومات أو ينفرد به الساسة، بل هو أمر كانت تكاد تجمع عليه كل فئات المجتمع: المفكرون والفلاسفة ورجال الدين، بل وحتى الأدباء والشعراء. ولذلك فإن سبب تعطل هذه الحركة الإمبريالية لفترة من الزمان لم يكن في مجمله عائدًا عودًا خالصًا إلى أسباب إنسانية، وإنما كان بسبب ما سمي بتوازن القوى والحرب الباردة. ولذلك كان من الطبيعي أن تجدد الدعوة إلى إعادة حركته بعد زوال ذلك العائق بسقوط الاتحاد السوفيتي.

قوى الحضارة الغربية:

الذي يمكن دولة أو حضارة من القدرة على إخضاع دول أخرى هو شدة قوتها، والقوى أنواع يمكن أن نقول أن الحضارة الغربية منها قوتان يسمون إحداهما بالقوة صلبة، والأخرى بالقوة اللينة، فلنناقش كلا منهما مناقشة موجزة في هذه الورقة المختصرة لنرى مدى الفرص الذي تعطيه للحركة الإمبريالية.

القوة الصلبة:

ويعنون بها القوة المادية العسكرية والتقنية، ومن المعروف أن الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة تملك من هذه القوة ما يجعلها متفوقة تفوقًا عظيمًا على غيرها. ولكن هل تكفي هذه القوة وحدها لتمكين دولة كالولايات المتحدة من فرض نفوذها على الدول الأخرى؟ سأل كثير من المفكرين الغربيين أنفسهم هذا السؤال، وكتبوا في الإجابة عنه عدة كتابات يجيب بعضهم بالنفي. ويذكرون أسبابًا سنناقش بعضها ونضيف إليها. من هذه الأسباب:

1.القوة الأمريكية ليست نتاجًا محليًا، بل إن أمريكا تعتمد في جلب هذه القوة واستدامتها على علاقتها بدون أخرى. إن البنتاجون كما يقول أحدهم ليس هو الذي يصنع الأسلحة وإنما تصنعها شركات، وأن نصف دخل هذه الشركات آت من منتجات تبيعها في الخارج.

2.تطورت صناعة الأسلحة - ولا سيما الكيماوية منها - بحيث صار في مقدور الجماعات الصغيرة، بل والأفراد أن يمتلوكها. ولهذا لم تعد الأسلحة الثقيلة مهما كثر عددها قادرة أن تحمي البلد الذي يملكها من اعتداء عليه من داخله. وقد نبه إلى ذلك بعض المختصين بالولايات المتحدة حتى قبل حوادث 11/9. فقد حذر تقرير لجنة الكونغرس من الأمن القومي كتب في مطلع تلك السنة من (تفوق أمريكا العسكري ليحمينا من هجوم عدائي على أرضنا فمن المحتمل أن يقتل عدد كبير من الأمريكان على أرضهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت