3.إن العمل العسكري يحتاج إلى تضحية، وأن هذه التضحية كانت، متوفرة في عهود الإمبريالية الأولى، لأن كان يحرك الشعوب الغربية آنذاك حب المجد، أما الآن فالذي يغلب عليها هو حب الرفاء وهو أ/ر ينتاقش مع البذل والتضحية.
4.ولعلنا نضيف إلى المسألة السابقة أن الدين كان أيضًا محركًا، لأنهم كانوا آنذاك شديدي الإيمان بالمسيحية، والاعتقاد بأنها خير دين، وأنهم ينقذون الشعوب الأخرى فرضها عليهم. لكن هذا الأمر أيضًا تغير، ولاسيما في أوروبا فقد كتب أحد البريطانيين مثلًا كتابًا أسماه موت بريطانيا النصرانية. وحتى أمريكا التي تعد إلى الآن أكثر البلاد الغربية استمساكًا بالنصرانية، ضعف فيها هذا الاستمساك، وصار في غالبه أمرًا شكليًا على حساب العقائد الأساسية. ولعل من أدل الأدلة على ذلك انتخاب رجل يستعلن بشذوذه قسًا للكنيسة الإنجيلية بأمريكا. ولذلك عندما كتب المؤلف اليهودي برنارد لويس كتابه عن العالم الإسلامي الذي أسماه: أين الخطأ؟ والذي رأى فيه أنه لا حل لمشكلات العالم الإسلامي إلا بسلوك الطريق الذي سلكته أوروبا، قال أحد عقلاه الكتاب النصارى الذين عرضوا الكتاب:
قد يبدو هذا و:انه أمر بين بنفسه ولكن بما أن المجتمعات الغربية قد بدأت تتخلى عن النمط التقليدي وللحياة الدينية … … وبدأت تفكك مؤسسات الدين التقليدية كمؤسسة الزواج فإن المرء ليتساءل ما إذا كان على النصارى واليهود أن ينضموا إلى الجوقة التي تحث المسلمين بأن على أن يملكوا الطريق الذي سلكته الحضارة الغربية منذ القرن الثامن عشر.
5.ونضيف إليه أمرًا في غاية الأهمية، ولكن قل أن يعترف به أو حتى يذكره المختصون، وهو التدهور الخلقي المتزايد الذي يؤدي حتمًا إلى إضعاف البلد، بل إلى انهياره مهما أمتلك من أنواع الأسلحة. من أمثلة هذا الفساد المريع ما ذكرته طبيبة مختص بأمراض الفتيان والفتيات قبل سن العشرين، حيث ذكرت في كتاب لها بعنوان الوباء أن الأمراض المتعلقة بالمماسات الجنسية، والتي يسمونها اختصارا S.D.T تصيب ثمانية ألف من هم في هذه السن كل يوم! إن الأسلحة لا تعمل وحدها وإنما يسيرها البشر، فإذا فسد البشر لم يكن لقوتها من فائدة. كثيرًا ما يذكرنا ربنا في كتابه العزيز بأن القوة المادية لا تنقذ أمة من الهلاك إذا توفرت أسبابه الروحية.
لم ترى كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك، صوت عذاب. إن ربك لبلمرصاد.
6.لكن هذا كله لا يغض من الأهمية القصوى للقوة الصلبة في إنذار مالكها على الاستيلاء على أراض الآخرين. ولكن يبدو أن أمريكا - كما قال أحد كتابها - إنما تلجأ لمثل هذا والتدخل السافر حين يكون البلد ضعيفًا لا قدرة له على المقاومة كما فعلت في عصرنا هذا بينما و… وما مثال أفغانستان والعراق لنا ببعيد، وهي إذا لم تلجأ للتدخل السافر فإنها تلوح بقوتها الصلبة هذه مهددة كل من يخالفها حتى لو كان دولة قريبة مثل فرنسا. وفي الأخبار اليوم مثلًا أنها قررت استثناء البلاد التي لم تشارك في تأييدها باحتلال العراق من المنافسة في عطاءات ما يسمى بإعمار العراق وهو عمل مربح.
القوة اللينة:-
المقصود بالقوة اللينة هو قوة الثقافة بمعناها عند علماء الاجتماع الذي يشمل كل ما عند شعب من الشعوب من عقائد وتصورات وعادات وتقاليد. ربما كان التأثير المباشر لهذه القوة الغربية أكثر من تأثير القوة الصلبة، مع العلم بأن تأثيرها إنما كان بسبب من سند لتلك القوة. نقول عن هذه القوة اللينة:
1.مما لا شك فيه أن الثقافة الغربية صارت في عصرنا هذا هي الثقافة الطاغية في كل أنحاء العالم تقريبًا. فالناس في كل مكان يرتدي معظمهم أو عدد كبير منهم الزي الغربي، والمثقفون منهم يتكلمون واحدة أو أكثر من اللغات الغربية، ويتبنون مناهج الدراسة الغربية، ويستمعون إلى الإذاعات والقنوات الأمريكية أو الإنجليزية أو الفرنسية، يحاول كثير من دول العالم أن يتبنى نظام الحكم الديمقراطي بشكله الغربي، بل يكاد أن يكون من العقائد الراسخة عند كثير من المنفذين من السياسيين والكتاب والصحفيين أن النظام الديمقراطي هو خير نظام توصلت إليه البشرية، بل إن بعضه ليؤمن بالديمقراطية إيمانًا خرافيًا فيعتقد أنها البلسم الشافي لكل علل الأمة ليس السياسية فحسب، بل والاجتماعية والدينية وغيرها فما على الناس إلا أن ينتخبوا حكامهم ويرضوا بما تراه أغلبيتهم إلا وتختفي كل مشكلاتهم.
2.ما الذي أدى إلى هذا الإعجاب بالثقافة الغربية؟ أسباب كثيرة لعل من أهمها:
أ/ الاعتقاد الباطل بأنه ما دام الغرب قد تقدم اقتصاديًا وعسكريًا، فلابد أن يكون كل شئ في ثقافته من أسباب ذلك التقدم. وقد كنت قد قلت في مقال لي قديم إن مثل المعتقدين لهذا كمثل شاب يعجب برجل عداء ويريد أن يكون مثله في شدة عدوه فيذهب ويشتري تبانة مثل تبانه.
ب/ الاعتقاد الآخر الباطل الذي يقول أن من كان أكثر مالًا ونعمة فهو أصح مذهبًا ممن هم أفقر منهم قال تعالى عن الكفار اعتقدوا مثل هذا الاعتقاد الباطل:
وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آ منوا أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا؟
ثم رد عليهم سبحانه بقوله:
وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثًا ورئيا. قال من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانًا وأضعف جندا. (مريم:73-75)
ت/ الاعتقاد بالباطل - الذي ينشره الغربيون أنفسهم - أن حضارتهم هي حضارة العصر بمعنى أنها هي وحدها المناسبة لظروفنا المعاصرة، وأن كل أمة لا تأخذ بها تكون متخلفة، فهم يخلطون بين التحديث والتغريب وبين ما أسميته في مقال سابق بضرورات العصر وأهواء العصر.
3/ مع الاعتراف بأن مثل هذه التبعية الثقافية العمياء للغرب مضرة غاية الضرر بأناس مختلفين عنه تاريخًا وكانت لهم ثقافات ليس بأقل من ثقافته، بل قد ترون خيرًا منها ، فإننا نتساءل ماذا يستفيد الغرب من مثل هذه التبعية؟ والجواب أنها تعتمد على نوع المستقبلين المقلدين لهذه الثقافة. فمنهم من قد يعتقد أنها مصدر لقوته، ومساعدة له بأن يكون له من القوة والتطور المادي ما للغرب من غير أن يكون تابعًا له سياسيًا، بل مع استمساكه باستقلاله ووطنيته وشئ من هويته. إن التنافس بين الدول الغربية نفسها شاهد على أن التماثل الثقافي لا ينتج بالضرورة ودا بين المتماثلين.لكن مما لا شك فيه أن التبعية الثقافية قد تؤدي أيضًا إلى تبعية سياسية. إن من الناس اليوم في البلاد العربية من يتمنى أن تغزو أمريكا بلاده كما غزت العراق لتخلصه من حكم ديني لا يرضى عنه.