فهرس الكتاب

الصفحة 2219 من 2255

والحقيقة أن بعض المواقع (الحساسة) مثل مواقع أولئك الكتّاب الوسطيين يمكن أن يكون من المواقع التي لا يُحسد الإنسان على الوجود فيها، فهذه المواقع يتحتم على صاحبها احتمال الرجم بالكلمات (وربما بالحجارة و السهام) من جميع الاتجاهات.. و المُلاحظُ أن هذا هو الحاصل مع البعض ممن ارتضى ركوب مثل هذا المركب الفريد.. فهؤلاء عند البعض"علمانيون مارقون هدفهم الدس من الداخل في طريقة مبتكرة من طرق الغزو الثقافي"!.. وهم عند البعض الآخر"أصوليون أشرار يتلبسون لبوس الاعتدال و الثقافة و يمارسون إرهابًا أخطر من إرهاب الرصاص"!!.. أما عند البعض الثالث فإن هؤلاء المفكرين دون شك"مذبذبون لا يعرفون الاستقرار النفسي و العقائدي فهم يوما هنا و يوما هناك"!.. و أخيرًا، فهم عند الباقين"أصحاب مصالح بحتة يضعون قدمًا في موقع و أخرى في موقع آخر لقطف الثمرة من الموقعين حسب مقتضى الحال"!!..

إن مِثلَ أصحابنا هؤلاء مع بعض أبناء هذه الأمة كمثل الذي يحاول التعامل والتفاهم مع ذلك الذي (لا يعجبه العجب و لا الصيام في رجب.. ) بحسب المثل الشعبي السائد في كثيرٍ من البلاد العربية، وهي مشكلةٌ، وإن اتخذ الحديثُ عنها منحىً طريفًا، إلا أنها عميقةٌ وحساسةٌ و خطيرةٌ في حياتنا الثقافية. وربما كان سبب تلك المشكلة عائدًا، من جهة، إلى ذلك المكوِّن الثقافي العميق في إنسان المنطقة، والمتمثل في كبت الحرية وممارسة الإرهاب الفكري منذ الولادة.. و من جهةٍ أخرى، إلى العقم الفكري والنفسي الذي يصيب الكثيرين ويمنعهم من رؤية التنوع الهائل في مناشط الحياة البشرية و إدراك ارتباطاتها، و يحصرهم في أوهام و أشكال تقليدية لا يرون هذا العالم الكبير إلا عبرها و من خلالها.

وأخيرًا، فإن من ملامح الوعي المنهجي المُفتقدة في حياتنا الفكرية والثقافية، والتي تُلاحظ في الكتابات التي نتحدث عنها، استصحاب قيم التروّي المنهجي و الصبر والهدوء العلميين.. فنحن نعلم ابتداءً أن صفات الاستعجال والتسرّع والانفعال باتت من مكونات الموروث التاريخي الثقافي المعاصر لشخصية الإنسان العربي والمسلم، وذلك لأسباب تنبغي دراستها ويجب تحليلها. ولكن ما يجب الإشارة إليه هو أن حجم (الضغط) الحضاري (العسكري والاقتصادي والاجتماعي.. ) المعاصر يزيد في تعقيد الإشكالية الناجمة عن وجود تلك الصفات على الصعيدين الشخصي والعام.

فها هنا ينالُ كل فردٍ في الأمة نصيبه المقدر من كل مصيبةٍ جديدة تطرأ، ومن كل جرحٍ جديد يُفتح، بغض النظر عن بُعدِ أو قُربِ ذلك الفرد جغرافيًا (و نفسيًا) من موقع ذلك الجرح. و يكون ذلك الرصيد في شكل تراكمٍ نفسي من مشاعر القهر والألم والخزي والهزيمة والهوان. و بهذا يصبح ضبط المشاعر و العواطف أمرًا في غاية الصعوبة، خاصةً، عندما تسنح (فرصةٌ) يُعتقدُ أنها مناسبةٌ (لتحدّي) ذلك الضغط الحضاري المعاصر أيًا كانت طبيعة الفرصة وطبيعة ذلك الضغط.

هنا، وفي هذه اللحظة بالذات، ينفجر ذلك الركام المكبوت من الغضب في موقعٍ ما من هذا العالم الكبير.. و تظهر إلى السطح ممارساتٌ (اجتماعية أو عسكرية أو سياسية) يغلب أن يكون رصيدها الوحيد تلك المشاعر والعواطف، أو بمعنىً أصحّ ذلك الغضب العميق .. وتكتمل المفارقة - المأساة - حين تمتد شرارة هذا الانفجار بشكلٍ أشبه بالحريق السريع الانتشار إلى شرائح مختلفة من أبناء الأمة بعيدًا عن هذا الموقع المعين. ويحدث ذلك نتيجة لتفاعلٍ صامتٍ و معقّد بين الآثار النفسية لذلك (الضغط) المتواصل على الأمة، و بين فهومٍ مستعجلة وتقليدية لحقيقة ومعنى وحدة (جسد الأمة) و لضرورة (تداعي) أعضاء ذلك الجسد للنصرة والتأييد. فتدخل الأمة بمجموعها في دوامةٍ جديدة من (إشعال) الحرائق وإطفائها.. دون أن يُقدّر لها لحظةُ هدوءٍ تلتقط فيها أنفاسها لتعرف من أشعل الحريق و كيف اشتعل؟!

وإن المرء ليشعر أحيانا في مثل هذه المواقف أن قوة (الضغط) العاطفي الذي تمارسه الجماهير، و حجم (الحشد) النفسي الذي يصاحب الموقف يحجب الرؤية السليمة حتى عن الكثير من أولي النهى و الألباب والعقول. وهو ما يضيف إلى الإشكالية أبعادًا جديدة هي في ذاتها غايةٌ في التعقيد. فهنا تظهر سلبيات ما يمكن أن نسميه (تبعيّة العلماء للعامة) ، تلك التبعيّة التي تنتج إما عن قلّة الزاد الفكري والعلمي وضعف الموقف النفسي والعملي الذي ينبثق عن ذلك، أو تنتج عن إيثار الأهواء والمصالح، التي كثيرًا ما تتحقق من خلال القول بالمألوف وعدم مخالفة السائد.. وقد جاء في بعض أدبياتنا أن"أبو زرعة سأل شيخه البلقيني قائلًا: ما تقصير الشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته ؟ فسكت البلقيني، فقال أبو زرعة: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قُدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج على ذلك لم ينله شيء من ذلك، وحُرم ولاية القضاء، وامتنع الناس عن افتائه، ونُسبت إليه البدعة فابتسم البلقيني ووافقه على ذلك"...

وما لم تحدث تلك النقلة المنهجية في العقول و الأفكار أولًا، ثم في الممارسات على أرض الواقع، فسيبقى الباب دائما مفتوحا للمفاجآت. وسيبقى المجال واسعًا باستمرار لتُقدِم (قيادةٌ) ما (فكرية أو اجتماعية أو سياسية أو عسكرية) على اتخاذ موقفٍ أو قرار (غير محسوب علميًا) أو (اجتهاد) ربما لا يمتلك أصحابه (النصاب والأهلية) ابتداءً. وتكون النتيجة الطبيعية أن (ينجرّ) القريب و البعيد من الناس من عواطفهم وقلوبهم في اتجاهٍ خاطئ لم تضبطهُ أهليةٌ تقوم على التخصص والعلم والفقه، و لم يوجّههُ (اجتهادٌ) عميقٌ يمتلك أهله نصاب الاجتهاد.

في مقابل هذا تأتي قيمة التروي المنهجي، وقيمة الصبر والهدوء العلميين الذين تحدثنا عنهما. فمن خلال امتلاك مثل هذه الصفات يمكن، للمثقف على وجه الخصوص، أن يحمي نفسه، وبالتالي قومهُ وأمّتهُ، من مخاطر الرؤية الانفعالية العاطفية، ومن التّبعات السلبية للقرارات العملية التي تنبثق منها وتنبني عليها.

ختامًا، تجدر الإشارة إلى أن هذه المقاربة إنما جاءت في إطار محاولة تحليل و دراسة ظاهرة من الظواهر الثقافية و الاجتماعية في حياتنا المعاصرة، انسجامًا مع اعتقاد الباحث بأولوية و ضرورة التركيز - على الأقل في هذه المرحلة - على فهم الظواهر المختلفة التي تشكل نسيج الواقع المحلي و العالمي، قبل القفز الطفولي إلى الحكم عليها والتعامل معها.. وانسجاما مع الأصول المنهجية و العلمية التي ما ينفكُّ يظهر الأثر السلبي لغيابها على حركة الأمة في كل مجال.

* باحث متخصص في الشؤون السياسية

الانتماء الحضاري للأمة

خميس بن عاشور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت