إن من الواضح أن هناك (أزمة ثقة) معقّدة و تاريخية بين الحاكم والمحكوم في واقعنا المعاصر، وإلى أن يمكن حَلُّ هذه الأزمة بشكل من الأشكال.. فإن الأمة تتطلع إلى (مؤسسات) تنبثق منها (تقودها) و (ترشدها) إلى طريقٍ تشعر أنها ضلّت السبيل إليه.. و مهما كانت بعض الظواهر السطحية توحي بغير ذلك فإن مجمل الأحداث تشير إلى ذلك التوجه الأكيد.. و الحاصل اليوم أن تلك المؤسسات ذاتها على اختلاف ألوانها هي في أزمة لابد لها من حل.. حتى تتمكن من الوصول إلى إجاباتٍ محددة وواضحة ومنهجية للأسئلة الكبرى التي يطرحها واقع الأمة و لسان حالها قبل لسان المقال.
وتتمثل تلك الأزمة في حقيقة أن أغلب المؤسسات الإجتماعية والتربوية والسياسية التي تنبثق من الأمة، ونقصد بها المؤسسات غير الحكومية (مثل الجمعيات، النوادي، الجماعات، الأحزاب المعارضة... ) تفتقد إلى المنهجية القائمة على التخصص، سواء في تكوينها الخاص وأنظمتها الداخلية أو في البرامج التي تطرحها على المجتمع من حولها. إن الغياب الواضح عن تخصصات معينة، مثل علوم النفس والاجتماع و السياسة و التربية و الاقتصاد و الفنون بمجملها، يمثل أزمةً لمؤسسات المجتمع المدني -إن صح التعبير- والتي تنبثق منه بغاية خدمة مصالحه. فهذا الغياب يؤدي إلى أن تكون معالجات شرائح المجتمع المدني المرتبطة بتلك المؤسسات سطحية وساذجة وجزئية يغلب عليها العفوية والاستعجال، سواء كان ذلك في مجال الفعل و اتخاذ المواقف و الإقدام على خطوة و اتخاذ قرار.. أو كان ذلك في مجال رد الفعل على موقف حصل وقرار اتُّخذ و خطوةٍ أقدم عليها الآخرون..
وحين يستحضرُ الإنسان التداخل المعقد و الواسع لمناشط الحياة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية المعاصرة، ويدرك - على مستوىً آخر - التداخل بين المحلي والإقليمي والعالمي من القضايا،
يصبح واضحًا أن من غير الممكن (لمجموعات) و (مؤسسات) تتصدى لمهمة (التوجيه) و (الإرشاد) للمجتمع تقديم إجابات تفصيلية لأسئلة متزايدة يطرحها الواقع، دون رصيدٍ معرفي و منهجي شامل يقوم على التخصص الدقيق و العمل المؤسسي المشترك في تلك الميادين.
ويمكن القول أن أهل الفكر والثقافة يمثلون طليعة المجموعات أو المؤسسات التي ينبغي عليها أن تحترم مسألة التخصص وتستصحبه في ممارستها العملية. صحيحٌ أن المثقف الشمولي يمتلك رؤية واسعةً متعددة الأبعاد للواقع، وأن معالجاته لا تنحصر آفاقها في بعض العوامل والمتغيرات المنعزلة، ولكن هذا لا يجب أن يعني بحال ادّعاءه القدرة على التصدي لتحليل ودراسة مختلف جوانب الحياة، بنفس العمق والفعالية التي يمكن له الوصول إليها في مجال تخصصه المعين، سواء كان ذلك التخصص نابعًا من الدراسة الأكاديمية المعروفة، أو حتى متأتيًا من خلال المتابعة الكثيفة المركزة والمستمرة لحقلٍ من حقول المعرفة البشرية.
و هنا ملاحظة يجدر الوقوف عندها، و الانتباه إليها، بل ودراستها بعمق. فرغم وجود أعداد مقدرة من المتخصصين في تلك العلوم، ممن يشغلون وظائف في الأجهزة الحكومية البيروقراطية المحلية أو الإقليمية (لجان الجامعة العربية المتخصصة على سبيل المثال) ، إلا أن العامة من الناس (وهم من ندعوهم بالأمة) لا يثقون بما يمثله هؤلاء للأسف، وذلك انسجامًا مع أزمة الثقة التي تحدثنا عنها ومع الانفصال الثقافي والشعوري العميق الحاصل اليوم بين الشعب وكل من ينتمي إلى السلطة بشكلٍ من الأشكال.. بل إن الأمة بحكم اهتمامات أولئك المتخصصين و طبيعة مواقعهم لا تشعر بوجودهم ابتداء.. و لذا فإن هؤلاء لا يمثلون في هذه المرحلة - شريحة يُعتمدُ عليها في تأدية المهمة المطلوبة، إلى أن تطرأ ظروفٌ - ربما - تحل إشكالية ذلك الانفصال بين الحاكم و المحكوم..
ومن هنا على وجه التحديد، تأتي خطورة وحساسية دور المفكرين والمثقفين والكتّاب الذين يغلب على الأمة أن تتلقى إنتاجهم بالقبول، خاصةً منهم أولئك الذين يطرحون إنتاجهم من خلال المنابر المستقلة أو القريبة من الاستقلالية. ومن هنا أيضًا تنبع المسؤولية المُلقاة على عاتق هؤلاء، والمتمثلة في احترام عقل القاريء والمتابع، من خلال استصحاب آلية التخصص قدر الإمكان عند العمل على ذلك الإنتاج.
ويأتي بعد هذا في ملامح الوعي المنهجي الكامنة وراء مثل تلك الكتابات، ملمحان أساسيان يشكلان مدخلًا ضروريا لكل القيم التي ينبغي إعادة الاعتبار إليها في حياتنا الثقافية، وهما الجرأة في التعبير عن الحق من جهة، و القدرة على اتخاذ الموقف الفاعل من جهة ثانية.
إن من المعروف أن امتلاك الرؤية السليمة للأحداث الكبرى يمكن أن يكون في حد ذاته أمرًا في غاية الصعوبة وسط الضجيج والحشد النفسي والعاطفي الذي تموج به و تمارسه بعض جموع الأمة في مثل تلك المواقف. حتى لمن يُفترض فيهم أن يكونوا أهلًا لذلك. من هنا فإن تحصيل تلك الرؤية السليمة، و تجاوزها إلى اتخاذ موقفٍ قوي وواضح في اتجاه معاكس لموج المشاعر و العواطف أمرٌ يحتاج إلى الكثير من الجرأة و الشجاعة، وقبل ذلك إلى الكثير من التوفيق و التسديد..
إن من الواضح أن (موضة) (خالِف تُعرف) سائدةٌ اليوم في بعض الأوساط الأدبية و الثقافية، وبخاصة تلك التي تبحث عن (مواقع) معينة لدى بعض أصحاب القرار و النفوذ (المحلي و العالمي) . و هي ظاهرةٌ لها أبعادها و طبيعتها التي تستحق الحوار.. رغم ذلك، فإن هناك خيطًا رفيعا يمكن أن يُلاحظ بين تلك الممارسات الشاذّة، و بين الممارسات الأخرى التي تستحضر و تستلهم شمول فقه مصطلح (النُّصرة) ، والذي يشمل في معانيه أحيانًا (الأخذ على اليد) حسب مقتضى الحال.. وهذا ضروريٌ لتجاوز النظرة (الجزئية) و الفقه (الناقص) اللذان لا يزالان يشكلان - للأسف - جزءًا كبيرًا من عقلية الفرد العربي و المسلم اليوم في دراسته وحكمه على الكثير من الظواهر..
ومن أهم ملامح الوعي المنهجي التي نتحدث عنها امتلاك تلك القدرة العقلية و العملية التي تسمح للمثقف برؤية الموقع الفاعل والحركة من خلاله بكل وعيٍ وحكمة. و هي قدرةٌ يفتقد إليها الكثيرون اليوم، ويشكل غيابها عاملًا مهمًا في أزمة الإنتاج و الفعالية التي تصبغ واقعنا العربي والإسلامي المعاصر بجميع مكوناته.
والواضح أن وجود هذه القدرة يتطلّب فهمًا عميقا للنفس وإدراكًا دقيقًا للذات، و تحديدًا سليمًا للإمكانيات و القدرات الشخصية دون إفراطٍ أو تفريط. ثم إنه يتطلب فهمًا علميًا للواقع ولأبعادِ وتخوم المشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر، كل هذا في إطار رؤيةٍ متحررةٍ طليقةٍ لا يُقيدها الانغلاق والانعزالية و"الاستلاب إلى الذات"من جهة، كما لا يشوشها الذوبان الحضاري و"الاستلاب إلى الآخر"من جهةٍ أخرى. وتحتاج تلك القدرة قبل هذا كله إلى محركٍ نفسيٍ حضاريٍ أصيل يدفع إلى بذل الجهد المقدر المطلوب، ثم تحمّل كل ما يُحتمل أن يتبع ذلك من تبعات و آثار..
والطريف في الأمر طبعًا أن الدعوة إلى اتخاذ الموقع الفاعل يمكن أن تكون شعارًا يُرفع، وهو ما يحصل كثيرًا على أرض الواقع.. غير أن المشكلة تكمن في قدرة البعض على تطبيق ذلك الشعار، و قدرة البعض الآخر على (فهم) و (إبصار) الحكمة من اختلاف وتنوّع و (توزيع) الأدوار، والمقصود بالتوزيع هنا معناه (السنني) و ليس المعنى (المؤامراتي) المألوف في عالم السياسة.