فهرس الكتاب

الصفحة 1799 من 2255

غير أنه من البديهي ان هذه الصورة المثالية للتعاون لن تتحقق إذا ظل أهل الحضارة الغربية على خوف دائم من أن تضعف أو تزول سيطرتهم، وعلى حرص دائم لذلك بأن لا يتطور غيرهم. إن هنتنجتن يرى أن الصدام القادم سيكون بين الحضارة الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية من جهة أخرى، أي أن الحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية ستتعاونان على مواجهة الحضارة الغربية. لماذا تتعاون هاتان الحضارتان؟ ألأن الصلة بينهما أقوى من صلة كل منهما بالحضارة الغربية؟ إن هنتنجتن يُخبرنا بأن أهم مكون للحضارة هو الدين. فهل يقول إن الكنفشيوسية أقرب إلى الإسلام من النصرانية؟ ما أظن أحدًا يعرف الديانتين، ويعرف مكانة النصرانية واليهودية في الإسلام بالنسبة إلى غيرهما من الأديان، يمكن أن يقول هذا. وإذن فإن السبب الحقيقي لهذا التعاون إن حدث لن يكون نابعًا من طبيعة الحضارتين، بل من معاملة الحضارة الغربية لهما. أريد أن أقول إن الحضارة الغربية هي التي تدفع الآخرين لمعاداتها حين تعمل على الوقوف في طريق التطور الطبيعي لغيرها، وحين تعد كل ما عداها خطرًا عليها فتتحدث عن الغرب والآخر The West and the صلى الله عليه وسلم est تمامًا كما كان بعضهم ولعله لا يزال يصف كل من ليس على دينه بالأميين ولا يرى أنه مُلزم في التعامل معهم بخلق ولا دين.

1 مقال صراع الحضارات، صامويل هنتجتون Samuel Hintington, Clash of Civilizations? Fo صلى الله عليه وسلم eign Affai صلى الله عليه وسلم s, Summe صلى الله عليه وسلم 1993

[2] أنظر مثلًا: James Ku صلى الله عليه وسلم th, The Real Clash, The National Inte صلى الله عليه وسلم est, No. 34, Fall 1994

[3] هذا هو رأي فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، الذي أثار جدلًا كثيرًا في الغرب حين صدوره.

[4] هنتجتون ص 39 ، مرجع سابق

[5] هنتجتون ص 46 ، مرجع سابق

[6] رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، في كتاب المظالم.

موقف الإسلام من العلم والفلسفة الغربية

هل للفكر الإسلامي خصائص ذاتية متميزة تفرق بين دين الفكر البشري وتحول بينه وبين الانصهار في العالمية والأممية ؟

إن كثيرًا مما يكتبه الباحثون في شئون الفكر والفلسفة والعلوم يحاول أن يصل إلى مسلمة تقول بأن الفكر الإسلامي هو أحد أطراف الفكر العالمي الذي تشكل في إطار الفكر اليوناني القديم والذي يسبح الآن في إطار الفكر الغربي العالمي وهذه المسلمة مرفوضة، وإن كان دعاة التغريب يرددونها ويكررونها حتى يثبتوها في الأذهان وهي في الحقيقة ليست صحيحة مطلقًا، بل وليس لها أي وجه من وجوه احتمال الصحة. وهي في غايتها محاولة للتآمر على الفكر الإسلامي وإخراجه من إطاره الخاص وطابعه المميز. ولقد يذهب البعض في التعليل الزائف والتحليل الباطل إلى القول بأن الفكر الإسلامي تأثر أو تشكل في ضوء أو في إطار الفكر اليوناني القديم (أو الفكر البشري كله هنديًا وفارسيًا وفرعونيًا وبابليًا) ، وهو الآن في نهضته الحديثة لا ضير أن يستمد من ثمرات الفكر الغربي الذي هو وليد الفكر اليوناني القديم.

وهذا القول مرفوض قطعًا، وقد كشف زيفه -عندما استعلن لأول مرة على لسان الدكتور طه حسين وقلمه- عشرات من الكتاب والباحثين.

والواقع أن"الفكر الإسلامي"هو وليد القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأن هذا المنهج الرباني قد جاء للإسلام في صورته النهائية والكاملة والباقية بقاء البشر معلنًا كلمة الله التي ألقاها إلى أنبيائه ورسله منذ بدأت رحلة النبوة والوحي بين السماء والأرض إلى أن توقفت بخاتم الرسل والرسالات والكتب.

ومن هنا فإن الإسلام جاء بالحقائق التي أرسل الله بها رسله وأنبياءه إلى الأمم، هذه الحقائق التي حرفت وغيرت وبدلت وتأولها المفسرون على النحو الذي نقلها من إطار الفكر الرباني الخالص المجرد المبرأ من كل شئ إلى الفكر البشري القائم على الهوى والمطمع والغايات الخاصة والمنحرف عن الأصل الحقيقي.

جاء الإسلام لتقرير الحقائق الربانية الأصيلة في مواجهة الفكر المختلط، الذي كان ربانيًا في أصله ثم شابته زيوف وإضافات وحذوف، ومن هنا فإن الفكر الإسلامي مستمدًا من الإسلام نفسه يجب أن تكون له خصائص ذاتية مميزة تفرق بينه وبين دين الفكر البشري، وحتى تظل البشرية سائرة في ضوء الهدي؛ لأنه لا بد أن يظل قادرًا على رد كل زيف أو تحريف، وإن يكن ممتنعًا عن الانصهار في الفكر البشري أو محتوى منه أو داخلًا فيه.

وذلك لأنه هو في جوهره وأصوله القرآنية الأصيلة هو الشاهد والمهيمن على اضطراب الفكر البشري وزيف التغيرات والإضافات التي أصابته على مدى الأزمان والعصور.

ومن هنا فإننا نجد الفكر الإسلامي يعارض الجمود والتعصب والتقليد ويعارض كل ما يصادم قوانين الكون ونواميس الوجود ويرى أن كل شئ يبدأ من نقطة ثابتة وينتهي إليها"الحركة في إطار الثبات"وأن كل شئ يبدأ صغيرًا ثم ينمو حتى يكتمل ثم يعود مرة أخرى في دورة جديدة، وهناك ارتباط جذري بين الفكر الإسلامي واللغة العربية؛ ذلك لأن كل لغة لها منهجها القائم على معانيها ومضامينها، ولقد هاجم المسلمون المنهج الأرسطي؛ لأنه مستند إلى خصائص اللغة اليونانية التي تخالف اللغة العربية وكذلك الأمر بالنسبة للمنهج الغربي.

(2) والفكر الإسلامي لا يعمل إلا ضمن النطاق الذي رسمه القرآن وحدده، ويحكم على كل ما يواجه المسلمين في ضوء القرآن نفسه ولا يحكمون منه منهجًا آخر، وهو في نفس الوقت متفتح على الثقافات العالمية يأخذ منها ويترك، وهو لا يأخذ إلا ما ينفعه ويتفق مع طوابعه وما يزيده قوة، وكل ما يأخذه يصهره صهرًا تامًا في بوتقته، ولقد حرر الإسلام أتباعه من التأثير الأجنبي بكل أنواعه ودعا إلى اليقظة إزاء محاولة تغيير المعالم الأصلية لعقيدتهم وفكرهم وثقافتهم ومزاجهم النفسي.

ويعتبر المسلمون أن كل ما يقدمه الفكر العالمي هو مادة خام يأخذون منها ويدعون دون أن يكون مفروضًا عليهم.

ويؤمن الفكر الإسلامي بأن كل نظرية أو مذهب قام في مجتمع ما، فإنما أقامها أهلها على مقياس مجتمعهم وفي ظل تحدياته الواقعية والتاريخية معًا، فهي استجابة لظروف البيئة، ولذلك فهي سرعان ما تبدو مع مرور الزمن عاجزة عن تحقيق الهدف فيضاف إليها ويحذف منها، ولذلك فإن نقلها إلى بيئات أخرى عسير لأنها تعجز عن الحياة والنماء.

ولقد كان الفكر الإسلامي دائمًا متفتحًا لثمرات الفكر البشري ولكنه كان قادرًا حتى في أشد مراحل الضعف والتخلف على المحافظة على ذاتيته والحيلولة دون انصهاره في الفكر الأممي.

وقد رفض الفكر الإسلامي الفلسفة اليونانية واستعلاء الاعتزال وجبرية التصوف.

(3) والفكر الإسلامي لا يقر مفهوم"الانشطار"أو التجزئة؛ ذلك لأن الإسلام يقوم أساسًا على التكامل وعلى التقاء العناصر المخلفة في كل موحد، وهو في هذا يختلف عن الفكر الغربي، كذلك لا يقر دعوة التولستوية والغاندية المتجزئة التي لا تقر مفهوم الجهاد. والإسلام يقوم على السلام والتسامح في نفس الوقت الذي يقوم فيه على المقاومة والقوة.

وللفكر الإسلامي أبعاد هامة:

(1) التكامل بمعنى وضع الجزء في مكانه من النظرية الكلية الجامعة في نظرة شاملة واعية بالحياة.

(2) العمق الزمني الذي يربط الإنسان بالتاريخ والواقع وقضايا الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت