ويعلق أحد الاستراتيجيين الهنود على تنامي قوة بلاده فيقول: «إن البناء العسكري الهندي سيقنع العالم بمنح الهند الحق في الدبلوماسية الدولية» ويبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تريد للهند لعب مثل هذا الدور ، ولكن لمدى معين ، حيث صرح قسم الدفاع الأمريكي في 8/4/1989 إنه يعمل على تطوير العلاقات العسكرية بين بلاده والهند لأن الأخيرة تلعب دورًا مهمًا في أمن واستقرار المنطقة ، وإنها دولة ديمقراطية عالمية وقائدة في منظمة دول عدم الانحياز ولذلك لم تظهر الولايات المتحدة أي تبرم أو امتعاض حيال أربعة تدخلات هندية في دول المنطقة وهي تدخلها عام 1986 بعملية (براستاكس) وفي 1987 بسيريلانكا ، و 1988 في مالديف وفي 1989 حاولت أن تتنَّمر على نيبال التي تعتبرها (مملكة هندية) وقد علّق رئيس دول منظمة الكومنولث على تدخل الهند في سريلانكا بقوله: «تدخل راجيف في سريلانكا سلام تاريخي» وأشادت مارغاريت تاتشر بالسرعة والأداء الذي قدمته القوات الهندية في إفشال انقلاب مالديف عام 1988 وتأكيدًا لمسألة الدور المحدود الذي تريده أمريكا للهند وذلك ضمن دائرة نفوذها فقد صرح قائد القوات الجوية في البحرية الأمريكية الأدميرال (وليوم بندلي) «نحن نفهم أن للهند دورًا في المنطقة ولكن حتى الآن لم تظهر سببًا معقولًا لتنامي قوتها البحرية» ولكن لعل تصريح الدكتور (باتيل) الهندوكي المتعصب يجيب على تساؤل"بندلي"عندما قال في كتابه المؤثرات الجغرافية «إن مصالح الهند تقوم في المناطق القريبة مثل نيبال وباكستان وبنغلاديش وأفغانستان وبورما وماليزيا وإندونيسيا وسيريلانكا ، وهي بلاد ضرورية لسلامة الهند ، ولذا فمن الضروري جدًا أن تسيطر الهند على خط سنغافورة قناة السويس لأنها بمثابة الباب الرئيسي للهند» ثم يضيف فيقول: «إن حاجة الهند إلى البترول يلح عليها بالالتفات نحو الجزيرة العربية والعراق ، وإن الهند قوة بحرية عظيمة ومن الواجب أن يتحول المحيط الهندي من سنغافورة إلى السويس ليصبح خليجًا تملكه الهند» .
ولمن يحسن الظن بالهند والهندوس حتى الآن ننقل له القول المأثور عندهم في كتاب الأب الروحي للهندوس وهو (جو تليه) الذي كان (نهرو) لا ينام إلا ويضعه تحت وسادته يقول المثل: «إذا أردت قتل عدوك فأظهر له العلاقة ، وإذا عزمت على قتله فعانقه ثم اقتله ، وحينها اذرف عليه الدموع!» .
الانتخابات الأمريكية:المطلوب استعمار استثماري
د. عبد الله عمر سلطان
«تعيش أمريكا حالة إجهاد شامل مصحوب بكثير من القلق والتوتر ؛ وتتساءل عن المستقبل الذي يبدو ملبدًا بالتحديات والمخاطر.. لقد جاء ريغان إلى سدة الرئاسة وهو يمثل الأمل بالنسبة للناخب الأمريكي.. الأمل من حالة يأس مشابهة عاشها الشعب الأمريكي في نهاية السبعينات ، حينما بدا النظام السياسي والرئاسي عاجزًا عن تخطي حواجز الواقع المكفهر.. لكن الفرق بين المصير القاتم والتاريخ القريب أننا اليوم نعيش تحديات أكبر وواقعًا أكثر صعوبة وتجربة مرة كان أكبر من صنعها فريق ريغان - بوش وتيارهم اليميني المتطرف» . هذه الشهادة للكاتب والمفكر الأمريكي «ديولي» تلقي الضوء على الواقع الذي تواجهه الجموع الأمريكية وهي تجتاز المرحلة الحاضرة التي ترافقها انتخابات الرئاسة لعام 1992 ، جزء من هذا الواقع الصعب كان نتيجة للفراغ الهائل الذي لخصه «ليستر ثورو» بروفسور العلوم الاقتصادية في جامعة هارفارد في كتابه الجديد «رأسًا لرأس» بقوله: « عندما وقف رونالد ريغان خلال حملته الانتخابية رافعًا شعار إنهاء الحظر السوفييتي شبهه بدب في الغابة بعض الناس يرونه شاخصًا أمامهم، وآخرون لا يرونه لكنهم يقولون: إنه دب لطيف.. نحن نراه ونعرف أنه دب خطر متوحش.. السؤال هو: ألا يجب أن نكون حذرين؟.. هذه الصيحة التحذيرية أوجدت دويًا هائلًا في ذلك الوقت لكن من يستطيع أن يحفز الأمريكي على مواجهة مماثلة بعد موت الدب فجأة حيث غدت الغابة آمنة..!» نعم لقد وجدت أمريكا نفسها تعيش في حالة غريبة كانت تحلم بتحقيقها وفجأة حينما تم لها الانتصار على الخطر الشيوعي وجدت عالمًا مختلفًا عن ذلك العالم الذي تمحورت حوله السياسة الخارجية الأمريكية في الأربعين عامًا الماضية وانعكاسات ذلك على الصعيد الداخلي.. ، وهكذا كان على أمريكا أن تواجه استحقاقات وثمن المواجهة الباهظة: استنزاف هائل للثروة من أجل إقامة ترسانة عسكرية هائلة ورهيبة لم يعرف لها الكون مثيلًا ، مما أثر على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية من جهة الإنفاق والاهتمام ، وتفضيل للشركات الضخمة المتحالفة مع الحكومات اليمينية المتعاقبة في مجال الضرائب ، مما أفرز زيادة ضخمة في ثروات رجال الأعمال الأغنياء أصلًا ، وزيادة الفقر والحرمان في المجتمع الفردي التوجه إلى حد الأنانية ، وتكريس للمصطلحات والطروحات اليمينية التي جلبها الجمهوريون كغطاء عقدي في مواجهتهم الشرسة للعصر الليبرالي الذي ساد أمريكا قبل صعودهم للسلطة ، وإدراك قوي لدى قادة الرأي والمفكرين بتقلص القدرة الأمريكية على منافسة القوى الدولية الصاعدة كأوربا واليابان اللتين تسعيان حثيثًا إلى تقليص النفوذ والسيطرة الأمريكتين ، وتوجه متسارع من قبل اليمين الأمريكي لاقتناص الفرصة والدخول في معارك ساحتها العالم الثالث للاستحواذ على الثروات والأسواق وتصدير الثقافة كما تفعل الإمبراطوريات المادية النهمة كلما شعرت أن عصرها يوشك على الأفول ، وأن القوة العسكرية التي صنعتها تراكميًا لعقود هي الميزة الوحيدة الباقية لابتزاز وإخضاع القوى الضعيفة ، لا سيما تلك التي تحمل نحوها كرهًا حضاريًا وتاريخيًا.
دلالات الانتخابات الأمريكية: