لم يبلغ حجم العزوف عن المشاركة الانتخابية هذا المستوى من الكثافة منذ عام 1924م. ففي انتخابات عام 1988م أبدى أكثر من 66% من الناخبين عدم رضاهم عن المرشحين: دوكاكس وبوش ، وهي أعلى نسبة منذ إنشاء الولايات المتحدة ، كذلك أوضح أكثر من 50% من الناخبين عدم رضاهم عن الحملة الانتخابية وأنها كانت شخصية تركز على الجانب السلبي لدى الخصم ، دون الحديث عن المواضيع الهامة التي تهم الناخب.. «إنها حملة شخصية بحتة.. ولا علاقة لها بالمخاطر التي تجتاحنا» ، كانت هذه العبارة لناخبة أمريكية تربط بين الحملة السابقة والحالية! وأضافت: «يبدو أن فريق الجمهوريين الذي ساعد بوش في الوصول إلى السلطة يريد أن يعيد تشغيل الشريط مرة أخرى ، فنحن الآن ندين بالفضل لهم حيث أصبحنا نعرف بالتفصيل تاريخ كلنتون المخزي.. ومع من خان زوجته؟ وكيف هرب من الجيش بواسطة نفوذ عائلته ، وكم مرة تهرب من دفع الضرائب.. ولكن هل بوش أكثر نزاهة منه ، وهو الذي حارب أمثالي من الأسر المتوسطة ورفع من تكاليف الحياة اليومية لملايين من أمثالي في الوقت الذي يسرق أبناؤه ملايين الدولارات بلا رقيب.. هل هذه هي القيم الأسرية التي تنادي بها؟؟» (1) ! هذه المرارة وذلك النقد الذاتي هما المعزوفة المنتشرة بين الناخبين اليوم.. لا سيما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي الذي يراهن عليه المرشح الديمقراطي للوصول إلى السلطة ، والملاحظ أن العديد من الأمريكيين يعرفون مقدمًا أن كلينتون لن يكون سوى جيمي كارتر آخر.. لكنهم مستعدون للمخاطرة والرهان عليه فربما تخطى بهم ساحل التردي الذي خيم على مشاعر وتصورات الأمريكيين الذين رأوا في رئاسة بوش تعاسة ممزوجة بالانتهازية.. «لقد فقدنا الزعامة الفذة التي تنظر إلى الأمور بتوازن.. بل حتى اللمسة الشخصية التي كان يتركها ريغان لدى الفرد الأمريكي حينما يخاطبه تبخرت هي الأخرى ولم يبق سوى وجه بوش الممل وخطاباته الفاترة.. أو صوت كلينتون الباعث على النعاس والخمول. أليس من المأساة أن يختار أكثر المنعطفات الحالية خطورة في ظل غياب العمالقة؟» (2) .
هذه الشهادات والمشاعر تصب في خانة اليأس والقنوط في الواقع القائم والمطالبة بالتغيير والبحث عن بديل.. هنا لا يجد الناخب الأمريكي غضاضة من إبراز «روس بيرو» كمرشح للرئاسة وهو بليونير لا يملك أي برنامج سياسي واضح ما عدا كلمة واحدة: التغيير.. لكن دون تحديد الوجهة أو الطريقة.. من هنا انسحب «بيرو» من سباق الرئاسة في مرحلة سابقة ، ثم ما لبث أن عاد إلى حلبة السباق حيث هناك فراغ هائل أكبر من قامة كلا المرشحين.. أو بعبارة مجلة فورين أفيرز: «تراكم قوة الرغبة في محاربة الواقع القائم من قبل الناخبين مقرونًا بمشاعر متدفقة من القلق والتشاؤم والتصميم على قلب الوضع القائم في واشنطن» .. ربما يقول البعض إن السبب لبروز هذه المشاعر هو الكساد القائم لكن في هذا الطرح تبسيطًا للعلاقة وطرحًا فجًا لنظرية السبب والنتيجة ، لقد عاش الشعب الأمريكي كسادًا أفظع خلال عامي 1981-1982 لكن مشاعر الحنق أعلى الآن من مثيلاتها قبل عقد مضى.. ويبدو أن الرئيس حينما يراجع سبب تراجعه في الإحصاءات إلى العامل الاقتصادي وحده يغالط نفسه وجمهوره.. إن الاقتصاد أحد أعراض مرض أمريكا الحالي والمتفشي دون محاولة جادة من قبل المسؤولين لتقديم العلاج ، وإن عدم الاستجابة ذاتها يجعل الأمريكان يشعرون بالعجز والخجل من أمريكا التي تقدم نصائحها للعالم ، بينما تتناسى العار الذي اكتنفها».. وهكذا فإن شعارات كانت مستهجنة أصبحت مقبولة فباتريك بوكانون مثلًا تقدم للترشيح عن الحزب الجمهوري رافعًا شعار: «أمريكا أولًا وثانيًا وثالثًا» بصورة انعزالية تدعو إلى انكفاء أمريكا على مشاكلها وترك العالم الخارجي وشأنه ، ومع أن هذا الشعار كان مطروحًا قبل بروز أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلا أن رواج هذه المقولة في هذه الحملة وحصول بوكانون على ما يقارب من 20-25% من أصوات الناخبين يبرز الرغبة الملحة للتغيير لدى الناخب الأمريكي ، والمطالبة بتغيير سلم الأولويات وربما السياسات التي كانت متبعة خلال نصف قرن.. وهكذا فإن المرحلة المقبلة ستكون بداية تشكل طروحات جديدة تعالج الدور الأمريكي على الساحة الدولية والموقف من التحديات الداخلية وموقع المنافسة في ظل نظام متغير ومنافسين جدد..
ومن الطريف أن السياسة الأمريكية وطروحات بوش واليمين الأمريكي المطالبة بتصفية مخلفات الحرب الباردة ووجوهها في العالم الثالث ، لتحقيق هيمنة أكبر ونصر ساحق في عصر الاجتياح الأمريكي قد يطبق على رموز الحرب الباردة وزعمائها في أمريكا وبواسطة الناخب الأمريكي.. وإذا حصل هذا فإن أفكار اليمين المتطرف وزعامة الرئيس الأمريكي ستكون أول الضحايا ومقدمة الرموز التي ستسقط في هذا السياق.
الخروج من الشرنقة:
من المناحي البارزة في الحملة الانتخابية الحالية أنها تعالج - كما فعلت الحملات السابقة - مآزق الماضي وطروحات الستينات الميلادية. إن بداية سقوط الإمبراطوريات العظمى يرافقه ميل إلى الانكفاء نحو الماضي الرامي إلى تصفية حسابات القوى السياسية ، حتى يصبح الحاضر والمستقبل القريب والبعيد رهائن دائمة للطروحات السالفة ، دون استشعار لتغير الزمن وتبدل التحديات.. ويبدي بعض المفكرين الأمريكيين قلقهم من هذه الظاهرة وصعوبة المرحلة التي تواجه العصر بعقلية التصفية والتصفية المضادة بين النخب المؤثرة ، في الوقت الذي تسبق الجموع والجماهير النخب في استشعار الخطر وتلمس المصاعب.. «الفرد أصبح مهددًا في أعز ما يملك.. حلمه الأمريكي في حياة مرهفة..! إنه يفقد وظيفته ليطير إلى بلدان أخرى كالمكسيك ، وهو يرى تراجع مستوى المعيشة والرخاء في الولايات المتحدة ، وهو يشاهد عدم استطاعته دفع مصاريف العلاج وصرف غائلة المرض.. ثم يتراءى المأزق شاخصًا في أحداث لوس أنجلوس التي كشفت عن وجوه أمريكا البشعة.. ثم يترتب أن تفعل المؤسسات الحاكمة شيئًا لتغيير هذه الصورة القاتمة فلا يرى سوى اهتمام من النخبة الحاكمة - حكومة وشركات - بمصالحها الخاصة والشخصية..! إن هذه اللامبالاة على مستوى القيادات هي التي تحرك الغضب الشعبي وترفع من حرارة مشاعر الناخبين ، وربما أدى هذا إلى كارثة هائلة تتمثل في مأزق شرعية الوضع الراهن!! (3) هذا المقطع يطرح مأزق الدائرة المفرغة التي تدور حولها معركة الانتخابات «التي تدور حول شعارات رنانة دون وجود مادة خلفها» (4) كما يقول النائب بيتر دوفنشي. لقد استنفد الليبراليون والمحافظون طروحاتهم حول المشكلات ذاتها ، وأصبحت السنوات الثلاثون الماضية فصلًا في الردود والردود المضادة ، فالجمهوريون في هذه الانتخابات طرحوا شعار القيم العائلية ، مقابل طرح الحرية الشخصية لليبراليين ، ويتفرع عنها قضية الاجهاض التي نجحت القوى الليبرالية قبل 30 عامًا في إجازته قانونيًا ، وأصبح تحريمه برنامج عمل مكثف لليمين خلال الثمانينات.. وكما كانت قضية الأقليات وحقوقها مادة النزاع الأهلي في الستينات حينما نال السود بعض الحقوق النظرية كانت فترة حكم الجمهوريين مرحلة تجميد لهذه الحقوق عمليًا وتركيز على هيمنة الرجل البروتستانتي الأبيض كما تكشف أحداث الشغب في المدن الأمريكية عن حالة من الغضب من الغبن العنصري الذي أتى به ريغان ومن بعده بوش.