والإسلام يخاطب الإنسان بوجوده كله، جسدًا وروحًا، فهو المخلوق العاقل المؤهل للتكليف والحساب والجزاء، فإذا استقام الإنسان كما أمره الله تحققت له السعادة في الدنيا والآخرة، وكان له في الدنيا مكان العزة والقيادة، ومن الآخرة جزاء المتقين المحسنين الفائزين برضوان الله، كما يقول الله سبحانه وتعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97) .
ثانيًا: المقصود بالحضارة:
الحضارة في أحدث تعريف لها هي كل إنتاج مصدره العقل، فهي تشمل كل ألوان النشاط البشري، أي أن الإنسان العاقل هو الذي ينتج الحضارة، فهي ثمرات أعماله التي يوجهها الدين الحق توجيهًا صحيحًا ويزكيها.
وقد عرف علماء الاجتماع الإنسان بأنه حيوان عاقل، وبأنه حيوان ذو دين، وبأنه حيوان ذو حضارة، أي أن الإنسان العاقل هو الكلف دينيًا، والنتج حضاريًا، والعقل هو أكبر نعمة أنعم الله بها على الإنسان؛ لأنه يستطيع به التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال وبين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين الصالح والفاسد، فيستطيع به أن يعرف الدين الحق ويدين به، وأن ينتج الحضارة الصالحة المفيدة في الدنيا والآخرة.
والحضارة السليمة هي التي تتفق مع الفطرة السليمة، فيجب على الإنسان أن يحتفظ بفطرته، ويتسامى بإنسانيته ليكون أهلًا للخلافة في الأرض, فينبغي عليه أن يكون ذا دين حق، حتى يكون ذا حضارة صحيحة تحقق السعادة للإنسان فردًا ومجتمعًا في الدنيا والآخرة.
أما إذا كان الإنسان يدين نفسه بدين باطل فاسد ومعتقدات ضالة مضلة، فإنه ينتج حضارة فاسدة؛ لأن كل إناء بما فيه ينضح، فالإنسان بفطرته ذو دين وهو الذي ينتج الحضارة، وفقًا لمعتقداته الصحيحة أو الزائفة، فتكون حضارة كريمة أو سقيمة.
والتاريخ خير شاهد على ارتباط الحضارة بالدين، وأنها ثمرة له، وأن الدين الحق هو الذي يثمر الحضارة الراقية معنويا وماديا، لأن الإنسان منتج الحضارة محتاج إلى الدين الحق، ليستقيم طريقه في الحياة, وتستقيم أعماله في جميع الميادين، فتتحق له السعادة في الدنيا والآخرة.
وحين سار المسلمون الأولون على هدى دينهم الحق استطاعوا أن يبنوا حضارة راقية، وأن يدخلوا الحياة من أوسع أبوابها وأكرمها, وأن يقيموا دولة ملكت أطراف العالم، وزخرت بألوان المجد والعزة، وزهت بألوان العلم والمعرفة، وأرست قواعد الحياة بين الأمم على أكرم المبادئ، وأسمى الفضائل.
ثالثًا: ارتباط الحضارة بالدين:
يتضح مما ذكرنا أن الدين أساس الحضارة, وأن ارتباط الحضارة بالدين كارتباط البناء بالأساس، فإذا كان الأساس صحيحًا قويًا استقام البناء، وترابطت أجزاؤه، وإذا كان الأساس فاسدًا، صار البناء هشًا ضعيفًا مهم كان براقًا.
والدين الحق هو الذي يعدّ الإنسان الصالح ليبني به المجتمع الصالح؛ لأن الإنسان هو لبنة البناء للمجتمع، وهو الذي يستطيع أن ينتج حضارة على أسس سليمة قائمة على المبادئ الدينية القويمة.
ولن يكون الإنسان صالحًا إلا إذا توازنت قواه المادية والمعنوية جميعًا، وتلاقى بعضها مع بعض على دواعي الخير، ومواقع الإحسان وإلا إذا كان ذا دين حق، ليكون ذا سلوك حميد, وسيرة طيبة, وعمل نافع في ماديات الحياة ومعنوياتها.
فالدين الحق يعد الإنسان منتج الحضارة إعدادًا طيبًا, ليدخل في المجتمع معها صالحًا عاملا فيه, ويجعل الناس جميعًا ينتظمون في وحدة شعورية عامة, بأنهم على سواء في التكاليف الشرعية، وأنهم مطالبون كأفراد وكجماعة أن يقوموا بما كلفوا به، وأن يأمروا فيما بينهم بالمعروف، وأن ينهوا عن المنكر.
كما أن الدين الحق يضع المؤمنين به جميعًا وضعًا واحدًا من أوامر الشريعة ونواهيها، وعلى قدم المساواة بينهم لا فرق بين حاكم ومحكوم، أو بين خاصة وعامة، أو بين أغنياء وفقراء، أو بين علماء وغير علماء، ثم تبدأ المفاضلة بينهم على حسب إحسان كل منهم أو تقصيره، فيكون أتقاهم هو أكرمهم عند الله، كما يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات:13) .
وفي هذا المجال يكون التنافس في فعل الخير، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، الذي يؤدي إلى سعادة الإنسان في الدنيا وإقامة حضارة راقية على أساس سليم، والظفر بالثواب الجزيل في الآخرة.
والدين يقيم المجتمع الإنساني كله على أساس من المساواة ورفع الحواجز المصطنعة بين الجماعات على مدعيات باطلة من الاعتزاز بالدم أو اللون أو المال أو الجاه أو السلطان ويرد الناس إلى معدنهم الأصلي الذي خلقهم فيه من نفس واحدة {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء:1) .
ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه:"كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى".
وإنّ أيّ مجتمع لا يتحقق له الأمن والاستقرار والطمأنينة إلا إذا ارتبطت مشاعر أفراده جميعًا بروح المودة والإخاء، تؤلف بين قلوب الجماعة، وتجعل منهم جسدًا واحدًا إذا مسه ضر وجد كل عضو من أعضائه مس هذا الضر كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
والإسلام دين الحق يربي الفرد والمجتمع على أساس الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لا شريك له والذي له ما في السموات وما في الأرض، ثم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار, ثم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ثم بفعل الخير وإتقان العمل.
وبقدر تمسك الإنسان بهذا الإيمان والاستقامة على شريعته يكون حظ المجتمع من الخير الذي يجنيه من ثمرات هذا الإيمان، ويكون حظ الحضارة التي ينتجها من ثمرات هذا الإيمان في رقي وسمو, فتكون حضارة فاضلة يطيب فيها العيش، وتهنأ في ظلالها الحياة لكل أهلها.
وقد تكفلت شريعة الإسلام بوضع الأسس السليمة التي يقوم عليها المجتمع الآمن، والحضارة القويمة الصالحة الملائمة لكل زمان ومكان، التي تؤلف تأليفًا حكيمًا بين الفرد والجماعة، وتقيم لأفراد البشرية حضارة سليمة، على هذه الأسس القويمة.
فلا تنافر إذًا بين الدين والحضارة، لأن الحضارة ثمرة الدين, والدين الحق يتفق مع الفطرة السليمة، التي فطر الله الناس عليها، ولا تبديل لخلق الله.
ودين الإسلام الحق يربي الفرد تربية صحيحة يقيم بها حضارة راقية تسعد بها البشرية في الدنيا، ويثقل بها ميزان الإنسان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
والحضارة الفاسدة هي التي تقوم على معتقدات باطلة، لا تتفق مع الفطرة السليمة، ولا ترضى جميع جوانب الإنسان المادية والروحية.
والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم والله يقول الحق. وهو يهدي السبيل.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الأوروبية
مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - (ج 23 / ص 39)