ب- إعداد العدة، وأخذ الأسباب المقوية للأمة -بإذن الله-؛ كالتزود من الأسلحة الكافية، وتدريب الشباب على الحياة الجادة، وإبعادهم عن الملهيات والمنكرات، وعدم الركون إلى الحياة الدنيا.
ج- التصدي للفكر المنهزم المقابل لفكر الغلو الذي يروج له دعاة"العلمنة"و"العصرنة"و"أصحاب العقائد المنحرفة"ممن يمثلون"الطابور الخامس"بوارثة أسلافهم المنافقين. وذلك بإبعادهم عن وسائل التأثير، ومناصحتهم، والحزم معهم؛ لأن هذا الفكر المنهزم في حال انتشاره -لا قدر الله- فإنه ينخر في جسد الأمة ويُضعفها، ويجعلها لقمة سائغة للأعداء، كما تبين ذلك في تجارب سابقة (19) .
فلنكن صفًا واحدًا في هذه البلاد خلف ولاة أمرنا وعلمائنا في التصدي لهذين الفكرين الخبيثين: فكر"الغلو"، وفكر"الانهزام"، فإنهما وجهان لعملة واحدة؛ هي تسلط الأعداء علينا.
أسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء، وأن يكفينا شر الأشرار، ويقينا من الفتن الظاهرة والباطنة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
(1) ونسخة ابن مانع -رحمه الله- محفوظة بمكتبته المودعة بمكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض.
(2) ولعله الراجح؛ لتوافقها مع رسائله الأخرى -كما سيأتي- ووضوح نَفَس شيخ الإسلام فيها. لكن مع ملاحظة ما اعتراها من تصرف واختصار جعل بعض عباراتها مضطربة. وهذا يميل إليه بعض العلماء والباحثين -كما سيأتي-.
(3) الزَمِن هو ذو العاهة الذي لا يستطيع المشي.
(4) السياسة الشرعية (ص 106) .
(5) السابق (ص 107) .
(6) بل كما قال الشوكاني إنه أمر"معلوم من الضرورة الدينية" (السيل الجرار: 4/518) .
(7) الجهاد في سبيل الله: حقيقته وغايته، ص 615 - 616.
(8) أهمية الجهاد ..، ص 336 - 337.
(9) ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد، ص 35.
(10) "الصارم المسلول"، ص 112، عن"أهمية الجهاد.."للعدِني، ص 346.
(11) لعلها رسالة"الرد على المزور على شيخ الإسلام ابن تيمية". انظر:"الشيخ سليمان بن سحمان وطريقته في تقرير العقيدة"للشيخ محمد الفوزان (ص 141) .
(12) دلالة النصوص والإجماع ..، ص 1-3.
(13) الجواب الصحيح 1/75.
(14) الصارم المسلول ص 112.
(15) ذخائر علماء اليمن ، ص 163.
(16) حاشية ضوء النهار (4/2506) .
(17) الشرح الممتع (8/25) .
(18) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (3/193) .
(19) بينت في رسالتي"العصرانية قنطرة العلمانية"أن المستفيد الوحيد من انتشار هذا الفكر بوجهيه"العلماني"و"العصراني"في بلاد المسلمين هم الأعداء من"كفار"و"أهل بدع"؛ لأنه يتسنى لهم من خلاله إضعاف هيبة الدولة الإسلامية وتنازع أهلها وتفرقهم أحزابًا شتى، مما يسهل استباحتهم -والعياذ بالله-. فهل من مدكر؟!
النهضة.. من الصحوة إلى اليقظة
د. جاسم سلطان
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أما بعد:
ففي هذه اللحظة التاريخية التي يتصاعد فيها صدى التحولات العالمية حتى يصم الآذان، ويعلو فيها صوت المآذن حتى ينتظم الآفاق, تنبعث من تحت الركام التاريخي الطويل أمة الإسلام, عارية الصدر إلا من جلال الحق في وجه قوى الظلام المدججة بأعتى الأسلحة الفتاكة للأجسام والعقول.. معركة تبدو للوهلة الأولى محسومة. تكون الغلبة فيها لمنطق القوة لا لقوة المنطق.. في هذه اللحظة نؤمن أن قدر الله غالب.. وأن دعوة الحق منتصرة.. فكما نهضت الأمة من سباتها ورفعت رأسها عاليًا رغم كيد الخصوم وجهل الأحباب، فهي لا شك قادرة على تحصيل أسباب القوة والمنعة ولو بعد حين.. وحين تحرس القوة الحق. فلا يقف شيء أمامه..فإن الحق يأسر القلوب والعقول، والقوة تردع الطامعين والباغين. تلك هي الآمال، نقولها ونربطها بمشيئة الله عز وجل، واثقين من تأييده إن بذلنا وسعنا.
لماذا الفهم؟؟
إن موضوع النهضة، ومحاولة الكتابة عنه ضرورة لابد منها؛ لأنها متعلقة بأمرين مهمين وهما:
الأول: موضوع الفهم، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد قدم البخاري بابًا أسماه"بابُ العلم قبل القول والعمل"وذلك لأن العمل بلا علم أمر فيه خلل كبير، فصواب العمل مقترن بالعلم الذي قاد إليه.
الأمر الثاني: والمرتبط بالموضوع الأول، هو ضرورة تنظيم الخارطة المعرفية الذهنية للعاملين في حقل النهضة. فكثير من المعارف والمعلومات التي يتلقاها الفرد الذي يهتم بشأن أمته تأتي من أطراف مختلفة، وفي غالب الأحيان تأتي أفكارًا متناقضة، ولا توجد خارطة معرفية منظمة مسبقة، بحيث يضع فيها الفرد العامل ما يتلقاه من معارف ومعلومات في مكانها الصحيح.
هذان الأمران؛ الفهم وتنظيم الخارطة المعرفية للعاملين في حقل الدعوة والمهتمين بأمر الأمة؛ يأتيان في قائمة الأولويات، ولعل الكثير من المخلصين اليوم يرون بوضوح حجم الاضطراب الذي يسود الساحة الإسلامية في قاعدتها الفكرية الواسعة، ما أدى إلى خلل على الجانب التنفيذي.
الخارطة الذهنية
وفكرة الخارطة الذهنية المنظمة يمكن تقريبها للقاريء بفكرة الحاسوب (الكمبيوتر) ، أو فكرة الهاتف النقال، فتخيل معي أخي الكريم؛ لو أنك كنت ممن يستخدم الهاتف النقال دون أن يكون به قاعدة منظمة للبيانات، وقمت بإدخال الأسماء والأرقام، ثم أردت استعادة الأرقام وهذه الأسماء والتوفيق بينها، إنه سيتأكد لك أن هذا الأمر محال، فالأمر الذي يجعل الجهاز فعالًا ومنتجًا في مخرجاته؛ هو تنظيم قاعدة البيانات الداخلية التي تستقبل المعلومات من الخارج، وبالتالي تقوم بعمليات التحويل، وإخراجها لك مرة أخرى لتستفيد منها.
قس ذلك على عقل الإنسان فحينما تنظم القاعدة المعرفية في أي علم من العلوم أو معرفة من المعارف، يمكن منها أن تتحول الجزيئات إلى معنىً واضح، يسهل استخراجه والاستفادة منه.
مواقف الناس من قضية الفهم:
الصنف الأول: صنف محب، شديد العاطفة ولكنه لا يريد أن يتعب ذهنه بعلم ولا بفهم. ورغم صواب نية هؤلاء العاملين إلا أن خطرهم كبير أثناء مراحل السير، فهم عرضة للشبهات، والشبهات دواؤها العلم، وعند اشتداد الكروب قد يصبح هؤلاء عبئًا على الدعوة وحركة النهضة، حيث قد يركبون تيارا ًيقود إلى عكس اتجاه النهضة، ويؤدي إلى تدمير جهود العاملين فيها، وقديمًا قيل"الرأي قبل شجاعة الشجعان". فإعمال النظر والفكر وحسن التصور مقدمة ضرورية لحسن العمل، ولذلك اشترط في العمل لكي يكون صوابًا أن تتوفر له النية الصالحة. والنية الصالحة وحدها ليست كافية، بل لابد للعمل كي يكون صوابًا أن يكون عن علمٍ وعن نظرٍ وعن تصورٍ صحيح.
الصنف الثاني: وهو صنف يمكن أن نقول عنه أنه قارئ بدرجة من الدرجات، ولكنه أيضًا غير راغب في البحث والتحقيق، وهذا الصنف من الناس كثير النقد، قليل العمل وينظر إلى كل أمر بمنظار أسود. وهؤلاء أيضًا يشكلون عائقًا وعبئًا على عملية النهوض والاستنهاض.
الصنف الثالث: هو صنف عامل ناقد باحث عن التطوير باستمرار، يستند إلى جهد ثري في محاولة البحث والنظر، مع عدم إهمال العمل وبذل الجهد، وعدم الاكتفاء بالمقاعد العادية البعيدة عن
ساحة الفعل، وهذا صنف مبارك تقوم عليه الدعوات وتتحقق به النهضات.
الصنف الرابع: فهو أيضًا صنف مبارك جهده منصب على البحث والنظر والتحليل والتفصيل، ولكن قد يشوب عمله البعد عن الواقع والاكتفاء بمستوى النظرية عن ملامسة الواقع وفهمه.