فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 2255

والشارع سبحانه وتعالى قد أمرنا بالتبيّن فقال"فتبينوا"1، وأمرنا بطلب البرهان"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"2. وقد قرر العلماء أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والداعية في سيره في مشروع النهضة إنما هو يصدر الأحكام على الأشياء ويتخذ قرارات في أثناء السير، فإن لم يكن التصور واضحًا خرجت الأحكام أيضا منقوصة وقاصرة.

نحن أمام حاجة كبيرة جدًا للعلم، حتى نستطيع أن نقوم بالعمل على وجهه الأكمل. وتجدر الملاحظة هنا أن العلم والعمل يسيران متوازيين مع بعضهم البعض، فالعمل يطرح أسئلة على العقل، تلجئ الإنسان لمزيد من البحث والنظر والعلم، والعلم يولد أفكارًا ومبادرات، والمبادرات حين تتنزل على الواقع تشذب وتطرح أسئلة جديدة، وهكذا تتولد الحياة في الأفكار ويزداد الإنسان علمًا ويرتقي.

وبالتالي يلزم للإنسان المسلم الجانبان: الجانب العلمي والجانب والعملي، وإذا انفصل أحدهما عن الآخر فإما أن يعمل الإنسان ويكون عمله عكس ما يتمنى ويشتهي لنقص علمه، أو يعلم الإنسان الكثير ولكنه أيضًا لا يمارس ما يعلمه في الواقع فتكون المحصلة أيضًا صفرية.

خطة البحث:

إن الإعداد لمثل هذا البحث - والذي هو ضمن سلسلة تتحدث عن قضية النهضة وأدواتها - قد استغرق ما يزيد على العشر سنوات. وتم تدريس مفردات هذه السلسلة في أقطار كثيرة. وهذه هي المحاولة الأولى لتجميع ما كان متناثرًا، بين مخطوطات يدوية، وتسجيلات صوتية، ودورات تدريبية. وصياغته في سياق واحد. لذلك فقد لا يأخذ الكتاب الشكل المعتاد عليه في مثل هذا النوع من الكتب.

وتتناول السلسلة بوجه عام:

* فلسفة النهضة ووضع إطا ر يكمن فهمها من خلاله.

* قوانين النهضة، والتي تحكم حركات التحولات الاجتماعية.

* مشروع النهضة وأهدافه ووسائله ومراحله.

ويتناول هذا الكتاب الفلسفة الكبرى للنهضة. ويعتني بتحديد المستلزمات الأساسية للانتقال من طور الارتجال والاندفاع وضبابية الرؤية إلى الرشد ووضح الرؤية. ويتم كل ذلك من خلال:

* شرح بعض المصطلحات التي ينبغي الإحاطة بها لأي عامل للنهضة لتنظيم خارطته الذهنية وتحديد طبيعة المرحلة التي تمر بها أمتنا في طريقها نحو النهوض.

* وضع حركة النهضة في سياقها التاريخي.

* تحديد إطار لفهم مراحل التحول الحضاري، ومن ثم تحديد إطار لفهم المرحلة الحالية.

* تحديد نموذج وطريقة تفكير القائد المطلوب.

* تحديد احتياجات صانع القرار العامل للنهضة.

* توضيح أهمية دراسة التاريخ للقائد.

* تحديد صورة الإسلام الذي يجب استدعاؤها وتَمَثُّل العاملين للنهضة بها.

* تحديد التحديات التي يواجهها المشروع.

* الإجابة على السؤال الهام: من أين يبدأ الإصلاح؟

* توضيح دور ثقافة الأرقام ولغة الإحصاء في مشروع النهضة.

* هدم جدران الإحباط بمعاول الأمل.

وقد رأينا أن نقسم هذا البحث إلى فصل تمهيدي، تليه أبواب متعددة لمحاولة توضيح فلسفة مشروع النهضة وأسسه ومنطلقاته. وصغنا هذه الأبواب على شكل مشاهد، نتحدث في كل مشهد عن الوضع الراهن ونقطة البدء لتغيير هذا الواقع وتصورنا للمشهد المستقبلي والخطوات العملية لتحقيق هذا المشهد.

تحديات واجهتنا:

لقد قمنا بتحديد الشريحة المستهدفة من هذه السلسلة، ومن هذا الكتاب، فيممنا وجهنا إلى الشريحة الغالبة من الشباب التي تتطلع إلى العمل الجاد. وإحداث التحولات الكبرى. وواجهتنا عدة معوقات، حاولنا التغلب عليها. مثل:

+ كيف يمكن أن يستفيد القارئ مما يقرأ، ليكون خارطته المعرفية المنظمة؟!

* وكيف يمكن تقديم المادة في شكل يجيب على حالة الإحباط المنتشرة بين صفوف الكثير من المجتمعات الإسلامية؟؟!

* وكيف يمكن أن تصبح الفكرة شائعة بين الجمهور؟!

* وكيف يمكن أن تغادر الفكرة رفوف النخب إلى الإنسان المتوسط والبسيط؟؟!

* وكيف يمكن أن تتحول الفكرة إلى مادة قابلة للاستخدام في النهضة في وجه دعاة اليأس والقنوط؟!

تلك هي الأسئلة، وكانت هذه محاولتنا لعمل رأس جسر لهذا المشروع الكبير، لنقله من ساحة التصور النظري البحت للطبقة العليا من المفكرين والمنظرين، إلى الطبقة الوسطى والدنيا التنفيذية في المشروع.

إن هذا الكتاب جزء من سلسلة نسأل الله أن تكتمل وتتكامل. نبدأها بهذه القطرة الأولى لتتبعها قطرات، وقد ترددنا كثيرًا في إخراج هذه الورقات، والحديث عن هذا الموضوع بشكل مفتوح، ولكن تشجيع الأحباب، والكثير ممن استمع إلى هذه المحاولة قاد إلى اتخاذ القرار الأخير بنشرها، رغم يقيننا أنه ما زال الكثير والكثير الذي يتوجب علينا عمله، والقيام به، ولكن الأعمار بيد الله عز وجل، والإنسان لا يضمن إذا وجد اليوم أن يبقى إلى الغد، فالمسارعة في الخير - وإن كان قليلا ً- ونشره واجب لا يجب تأخيره، خاصة إذا حان وقته.

وأخيرا نسأل الله العون والسداد . فإن أصبنا فمن الله وإن أخطأنا فمن أنفسنا ومن الشيطان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تمهيد

هناك الكثير من المفاهيم والنماذج، التي نرى أنه لا غنى عنها في مثل هذا النوع من الدراسات، نحاول أن نبسطها قدر الإمكان، ونبتعد عن التعقيد، وسنشير - في ثنايا هذه الدراسة- إلى المواضع الصعبة، والتي نرى أنه رغم صعوبتها، فإنه لابد للعامل أن يدركها، وأن يبذل الجهد في محاولة استيعابها، لضرورتها في تنظيم الخارطة الذهنية، وسنبذل ما نستطيع في سبيل ذلك والوصول إلى هذا النوع من التبسيط.

المشروع:

ولنبدأ بكلمة المشروع، ويتساءل القارئ ما وجه الحديث عن تفسير كلمة المشروع، ونعتقد أنها من الكلمات الهامة التي تشغب على بعض المتناولين لقضية النهضة، ويتساءلون فيها قائلين بأن وصف المشروع الإسلامي بأنه مشروع قول غير مشروع!! ونقول أن المتعامل مع قضية النهضة، يجب أن تكون لديه إجابة محددة، لمثل هذا السؤال فعندما نتعامل مع كلمة مشروع، ونفتح"منجد الطلاب"مثلًا نجد أن كلمة مشروع تحتمل المعاني التالية: ما سوغه الشارع، والأمر المشروع هو ما بدأت بعمله.

وفي نطاق هذين المعنيين، فالمشروع الإسلامي أمر سوغه الشارع، وهو أمر قد بدأ به وتتم الحركة في إطاره، فمن الناحية اللغوية يجوز لنا أن نتناول وأن نستخدم كلمة مشروع.

ويقول أهل الإدارة: أن كلمة مشروع تعني أنشطة متتابعة مصممة، للوصول إلى مخرجات محددة، من خلال ميزانية محددة، ومدى زمني محدد.3

ومن هذه الزاوية فإن كلمة مشروع التي نتعامل معها، لا تنطبق حرفيًا على مشروع النهضة، ولكن يمكن أن نقارب ونسدد فيها، إذا كان المدخل مدخلًا إداريًا، حيث أن تحديد الزمن بدقة والذي تستلزمه عملية النهضة أو تحديد الموازنات الضرورية لعملية النهضة في إطارها العام الكبير أمر دونه خرط القتاد .

أما في العلوم السياسية فيقصد بكلمة مشروع أي أيديولوجيا2تسعى للهيمنة. وهنا ينبغي التركيز على قولنا أنها تسعى للهيمنة، فكل أيديولوجيا تسعى للهيمنة، يطلق عليها كلمة مشروع3، مثلما يتم الحديث عن الليبرالية كمشروع فيقال: (..Political libe صلى الله عليه وسلم alism as a p صلى الله عليه وسلم oject..) .

إذًا يمكن التعامل مع الأفكار النهضوية على أنها مشروع، ويمكن أن نطلق ذلك إذا تعاملنا مع الكلمة بسعة في الإدارة أيضًا، أما من الناحية اللغوية فيمكن استخدامها قطعًا بدون تخوف. وفيما يخص العلوم السياسية فهي باب مفتوح يمكن التعامل معه بدون أي حرج، وبذلك تكون كلمة"مشروع"قد اتضحت وأصبح استخدامها مشروعًا في هذا المجال الذي نتحدث عنه.

النهضة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت