فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 2255

أي أن هناك شقًا علميًا وشقًا قيميًا، والشق العلمي تراث إنساني يجب الاستفادة به وليس تراثًا أوروبيًا، ولكن الشق القيمي للمسألة أي توجيه العلوم في اتجاه معين تراث حضاري أي خاص بتوجه وقيم كل حضارة، والحضارة الإسلامية مثلًا عندما كانت متقدمة علميًا كانت توجه هذه العلوم لإسعاد الإنسان وتلبية حاجات كل البشر، بل وكانت تسعى سعيًا لنشر العلوم ولا تحجبها عن الآخرين، لأن حبس العلم جريمة في الشريعة الإسلامية الغراء، أما الحضارة الأخرى ولظلمها، حجبت هذا العلم عن الشعوب الأخرى، بل وأصدرت القوانين التي تجرّم حصول الآخرين على تلك العلوم مثل قضية الدكتور مهندس عبد القادر حلمي مثلًا، بل وتغتال العلماء في البلاد الأخرى حتى لا تحدث نهضة علمية فيها كاغتيال الدكتور المشد مثلًا"."

إذًا فالعلم كحقائق ومعرفة تراث إنساني ساهمت فيه كل الحضارات والمجتمعات بل إن النهضة العلمية الأوروبية الحديثة استفادت من العلوم والمعارف الإسلامية في تحقيق تقدمها المعاصر، وبالتالي فإن الحصول على العلوم واكتسابها ليس قاصرًا على المشروع النهضوي التغريبي، بل العكس هو الصحيح؛ فالحصول على العلم هدف أي مشروع نهضوي إسلامي، أما الشق القيمي في العلوم فهذا أمر مرفوض، أي الشق المرتبط بكيفية استخدام هذه العلوم.

والعجب هنا، أن مشروع النهضة التغريبي فشل حتى في الحصول على هذه العلوم لسبب بسيط هو أن الحضارة الغربية ترفض إعطاء العلوم للآخرين عن طيب خاطر، وما دام المشروع النهضوي التغريبي مشروع غير تصادمي مع الحضارة الغربية أي متعاون ومهادن لها، فهو لن يحصل على هذه العلوم بل الصحيح أن المشروع الإسلامي للنهضة هو القادر على الحصول عليها؛ لأنه سينتزعها انتزاعًا ثم يستطيع أن يهضمها حضاريًا بمعنى أن يوجّهها التوجيه المتفق مع قيمه الحضارية.

حاجتنا إلى فقه تقويم الجماعات والأحزاب

د. غازي التوبة ... ... ... ... ... 18/8/1428

يلحظ الدارس لعلوم الإسلام غنى الفقه الإسلامي في الأحكام المتعلقة بالفرد المسلم سواء في مجال الصلاح أم الطلاح، فعند الصلاح نجد ألفاظًا مثل التقي الورع المنيب العابد الزاهد...الخ، وعند الطلاح نجد ألفاظًا مثل الفاجر الفاسق الكاذب الطاغي... الخ، ويلحظ الدارس أن هناك توصيفًا دقيقًا لكل لفظ من الألفاظ السابقة، لكننا نلحظ في المقابل فقر الفقه الإسلامي في المقاييس والألفاظ التي يمكن أن نقوّم من خلالها الجماعات الإسلامية في العصر الحديث، فقد قامت كثير من الجماعات الإسلامية على مدى القرن الماضي في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، واستهدفت أمورًا دعوية وجهادية وخيرية وسياسية واجتماعية...الخ لكننا نفتقر إلى فقه شرعي نقوّم به مدى نجاح هذه الجماعات وإخفاقها، ومدى صوابها وخطئها، ونقيس به تقدمها وتأخرها لنصدر حكمًا دقيقًا عليها.

ومن أجل سد هذه الثغرة لابد لنا من العودة إلى الجماعات التي قامت على مدى التاريخ الماضي، واستعراض الأسس التي قامت عليها، والأعمال التي أنجزتها بشكل سريع من أجل استخلاص معالم أصول التقويم الذي نتطلع إليه من أجل تطبيقه على عصرنا الحاضر، وعند القيام بتلك العودة نجد أن الجماعات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: جماعات علمية، وجماعات عملية، وجماعات علمية عملية.

أما القسم الأول فهي الجماعات العلمية التي أثارت قضايا شرعية ودينية في مجالات مختلفة كالعقائد والفقه والحديث... الخ، أو هي الجماعات التي قامت بالتصحيح أو الإضافة في قضايا مثارة، ويمكن أن نمثل على ذلك بجماعات المذاهب الفقهية الأربعة، وبجماعة المعتزلة، وبجماعة الأشاعرة...الخ. فالمذاهب الفقهية نشأت نتيجة اجتهادات خاصة في مجالات علم الحديث وعلم أصول الفقه والأحكام الشرعية...الخ. واستفاد كل إمام من الإمام الذي سبقه، فالشافعي استفاد من أبي حنيفة ومالك في تكوين مذهبه، وخالفهما في بعض القواعد والاجتهادات كالموقف من حديث الآحاد، والموقف من بعض القواعد الأصولية كالاستحسان وإجماع أهل المدينة... الخ. ونشأت جماعة المعتزلة على قضية عقدية هي قضية صفات الله سبحانه وتعالى، وكان انطلاقها أن تنزيه الله تعالى يقتضي تعطيل الصفات، لذلك قالت بخلق القرآن الكريم، وقالت بعدم رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، ثم قامت جماعة الأشاعرة ردًا على المعتزلة، ثم تطورت مقولاتها حول قضايا الصفات وخلق القرآن الكريم، بدءًا من أبي الحسن الأشعري، ومرورًا بالباقلاني وانتهاء بالرازي.

أما القسم الثاني فهي الجماعات العملية، فقد قامت بخدمات عملية للأمة، ويمكن أن نمثّل على ذلك بالسلجوقيين الذين حكموا بغداد منذ عام 450ه والذين أنقذوا الخلافة العباسية من تسلُّط البويهيين الذين كانوا يغازلون دولة الخلافة الفاطمية في القاهرة، ويمكن أن نمثّل على ذلك أيضًا بالأسرتين الزنكية والأيوبية اللتين ساهمتا بدور كبير في تحرير الأرض الإسلامية من الصليبيين، ويمكن أن نمثل على ذلك أيضًا بالمماليك البحرية والشركسية الذين صدوا الهجوم المغولي الكاسح من جهة، واستكملوا تحرير الأرض الإسلامية من أيدي الصليبيين من جهة أخرى. ويمكن أن نلاحظ في مجال الجماعات العملية أنها أخذت شرعيتها في أرض الواقع من التسليم بالقرآن والسنة، والعمل تحت لوائهما، وتنفيذ أحكامهما، واعتبارهما مرجعية للأمة وحدهما دون سواهما، وهذا ما دعا طائفة الفقهاء والعلماء إلى الاستسلام لقيادتهم، ودعوة جماهير الأمة إلى طاعتهم والانقياد لهم.

أما القسم الثالث فهي الجماعات العلمية والعملية، وهي الجماعات التي جمعت بين العلم والاجتهاد الشرعيين من جهة، وبين القيام بدور عملي من جهة أخرى، ويمكن أن نمثّل على هذا القسم بجماعة الموحدين التي أسسها محمد بن تومرت، والتي حكمت المغرب العربي وامتد نفوذها إلى الأندلس، وقد زعمت هذه الجماعة عند قيامها بأنها تريد أن تنقي عقائد المسلمين، وتقيم حياتهم على الشريعة الصحيحة، لذلك تسمّت باسم"جماعة الموحدين"، وهو مشتق من التوحيد الذي هو أبرز عنوان في العقيدة الإسلامية.

لو تفحصنا القرن الماضي لوجدنا أن جماعات وأحزابًا إسلامية كثيرة قامت، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك الجماعة الإسلامية التي أسسها أبو الأعلى المودودي في باكستان، وجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر، وجماعة النور التي أسسها سعيد النورسي في تركيا، وكذلك حزب السلامة الذي أسسه نجم الدين أربكان في تركيا في النصف الثاني من القرن العشرين، وحزب التحرير الذي أسسه تقي الدين النبهاني في فلسطين، وجماعة العدل والإحسان التي أسسها الشيخ عبد السلام ياسين في المغرب... الخ.

ما الأمور التي تشترك فيها هذه الجماعات؟ وما الملاحظات التي يمكن أن نلاحظها عليها على ضوء التصنيف التاريخي السابق؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت