وتعتبر صورة العرب والمسلمين المشوهة - والمقترنة في الإعلام الغربي بكل ما هو قبيح وسيئ - أحد أبرز المظاهر على دور الإعلام والتعليم ومختلف أجهزة الثقافة الشعبية في إنتاج الكراهية والحقد على العرب والمسلمين لدى الغربيين، وهي الظاهرة التي تُعرف اليوم في الدراسات الاجتماعية الغربية باسم (الإسلاموفوبيا) ، أي الخوف والتخويف من الإسلام، وتصويره خطرًا يهدد الحضارة الغربية
العمل الإسلامي وسؤال النهضة؟
محمد سليمان 8/4/1423
منذ أن أفاق العالم الإسلامي على هدير الحضارة الغربية ، في لحظات التعارف الأولى مع الاستعمار الغربي ، والعقل المسلم يسعى جاهدًا لتلمس طريق النهضة والخروج من ظلمات التيه ، وكان السؤال الذي لخّص المشكلة الحضارية التي أرقت هذا العقل - وما زالت - هو:لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم ؟ .وقد انبرى رواد النهضة في محاولات فكرية ومعرفية جادة للتعامل مع هذه المشكلة الحضارية ، شكّلت هذه المحاولات حوارًا فكريًا وجدالًا معرفيًا لم تستثمر كثير من كنوزه إلى الآن ، ثمّ جاءت الحركات الإسلامية لتنقل ساحة المعركة والصراع من ميادين الثقافة والفكر إلى ميادين العمل الحركي ، وحققت في فترة قصيرة نجاحات اجتماعية وسياسية واسعة ، وأصبحت رقمًا صعبًا في معادلات القوة في الساحة الاجتماعية والسياسية ، ثم لتصبح بعد ذلك - بعد سقوط الفكر القومي واليساري - الرقم الأصعب .
بيد أنّ الحركات الإسلاميّة سرعان ما دخلت في صراعات مع الأنظمة الحاكمة في العالم العربي ، استنزف أغلب طاقاتها ، واستحوذ على اهتماماتها ، وجرّها إلى معارك سياسية ، ودموية في كثير من الأحيان ، وكان أبناؤها - غالبًا- هم الضحية . مما أدى إلى تغوّل الجانب السياسي على الهم النهضوي لدى هذه الحركات ، واختفت محاورات النهضة تحت ركام أدبيات الصراع السياسي والأيدولوجي ! .
وهذه الورقة هي مقاربة أولية ومحاولة للاقتراب من هذا الموضوع ، وإثارة النقاش حوله: من خلال الدعوة إلى العودة لأسئلة النهضة وجدالات المعرفة ، كأحد التحديات الأساسية التي تواجه الفكر الإسلامي اليوم، وتفرض نفسها على الحركات الإسلامية في هذا المعترك الثقافي والسياسي .
جيل الروّاد
حفل التراث الإسلامي لحظات المواجهة الحضارية الأولى في مرحلة الاستعمار - بإرهاصاته وتداعياته - بمجهودات متنوعة ومتعددة في محاولات جيل الرواد التعامل مع المشكلة الحضارية وبناء الرؤى المتباينة في الإجابة عنها . ترى ذلك في كتابي عبد الرحمن الكواكبي ، خاصّة كتابه"أم القرى"الذي قدّم فيه حوارًا فكريًا جدليًا في أسباب التخلف ومساحاته ، كما تجد ذلك في"العروة الوثقى"ودعواتها المبكرة للتمييز بين البعد المعرفي و البعد السياسي في الحضارة الغربية ، دع عنك تفسير المنار وتلمّس الجوانب السياسية والنفسية والاجتماعية في هداية القرآن ، ومعارك الشيخ محمّد عبده مع المستشرقين ، وصراعاته لإصلاح التعليم الديني والخروج من نفق الجمود والتقليد إلى رحابة الاجتهاد والتجديد في حوار ممتع في عقل هذا العالم والمفكّر بين الإسلام والمدنية ، أضف إلى هذا تراث العلاّمة الشيخ محمّد رشيد رضا ، والذي مازالت كثير من جوانبه وكنوزه بكرًا لم تنل ما تستحقه من الدراسة والإفادة ، وليس هنا معرض الحديث عن تراث الشيخ"ابن باديس"، (ابن عاشور) ، و (علاّل الفاسي) ،ثمّ (مالك بن نبي) وغيرهم من جيل النهضة الذي واجه الطوفان الحضاري والثقافي القادم من الغرب بشجاعة واقتدار ، ولم يهرب من معركته ، كما أنّه ما دفن رأسه بالرمال متجاهلًا مسؤوليته الشرعية والتاريخية والحضارية !
وسواء اتفقنا مع هذا العالم أو ذاك أم اختلفنا معهم ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نضعهم جميعًا في نفس المرتبة، كما أنّه من الظلم البيّن أن نغتال تراث أيّ منهم، متذرعين بفتوى أو فكرة معينة قدّمها هذا المفكر هنا أوهناك في محاولة منه للتعامل مع القضايا التي واجهته ، ومن منّا معصوم عن الخطأ والزلل والنسيان ! ، فتراث هذا الجيل متنوع وواسع فيه من المحاورات والرؤى والاجتهادات ما يستحق التواصل معه والبناء عليه من خلال رؤية نقدية تعمل على غربلته و استثمار المفيد منه في بناء ثقافة المشروع النهضوي الإسلامي .
المد الإسلامي والصراع السياسي
ثمّ تلا هذه المرحلة الثقافية والفكرية العاصفة مرحلة حركية وسياسية عاصفة شهدت نشاطًا من قبل الحركات الإسلامية في الميادين العملية المختلفة، وبدأت فعالية هذه الحركات وتأثيرها الملحوظ في الساحة قبيل النصف الثاني من القرن العشرين ، وتمكنت في قترة قصيرة من التأثير على أعداد كبيرة من الجماهير ، وانضمّ إليها الناس من مختلف فئات الأمّة ، خاصّة الشباب الجامعي المثقّف. بيد أنّ هذه الحركات سرعان ما دخلت في صراعات سياسية ودموية مع الأنظمة الحاكمة محافظة أم تقدّمية ( وإن كانت المحافظة أقل فتكا من التقدميّة ) ، ويمكن القول: إنّ اغتيال الشهيد حسن البنا كان البداية العملية لهذا الصراع ، ثمّ تلاه دورات من الصراعات والنزاعات التي كان ضحيّتها -غالبًا- هم أبناء هذه الحركات من الشباب المثقف ، والشعوب التي خسرت هذا الشباب .
فمن جمال عبد الناصر ومذابح الإخوان في السجون والمعتقلات ، وقتله رموز الحركة الإسلامية ، ثمّ الاتجاهات الجهادية ، والجماعات التكفيرية ، إلى حماة والجزائر ، إلى المجازر بحق آلاف المجاهدين العرب في أفغانستان ، وما بين هذه وتلك من مدافعات بين الحركات الإسلامية والأنظمة العربية امتدت أمدًا غير قصير بلغ عقودًا من الدهر عاشها أبناء الصحوة الإسلامية في حالة من الصراع لم تهدأ وتيرتها إلى الآن .
لقد استنزفت هذه الصراعات كثيرًا من طاقات الحركات الإسلامية ، وصرفت العديد من مجهوداتها ، وأدّت في المحصّلة إلى تغوّل الجانب السياسي على طبيعة أدبيات واهتمامات هذه الحركات ، وأصبح الخطاب الأيدولوحي هو المهيمن على تفكير أبنائها ، وغابت مسألة النهضة والحضارة عن طبيعة الوظيفة الاجتماعية للحركات الإسلامية ، وعلت جدليات التعامل مع الأنظمة وسيطرت على أدبيات هذه الحركات .
وللأمانة نقول: إنّ الصراع السياسي ، الذي لم تبدأه الحركات الإسلاميّة في كثير من الأحيان ، قد سرق طاقات الشباب الإسلامي ،ووظّف جزءًا كبيرًا منها في المكان غير الملائم ؛ فغلب منطق الخطاب السطحي العام المليء بلغة الإنشاء والشعارات الفضفاضة ، ومفردات"الفكر المعلّب"، بما لا يقارن بحال من الأحوال مع الخطاب الحضاري والمعرفي الذي قدّمه جيل الرواد .