فهرس الكتاب
(2) الذي في كتب الحديث أن هذه وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه إلى الشام، أخرج ذلك مالك في الموطأ (2/447) ومن طريقه البيهقي في السنن (9/98) ، وعبد الرزاق في مصنفه (5/199 ـ 200) عن ابن جريج والثوري ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث الجيوش إلى الشام وذكروا نحوه. قال الهيثمي في المجمع (9/ 413) :"إسناده منقطع ورجاله إلى يحيى ثقات"وأخرجه عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن الزهري وأبي عمران الجوني ـ فرقهما ـ عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي (9/89) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي بكر، وأخرجه أيضًا (9/90) من طريق صالح بن كيسان عن أبي بكر ، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (2383) من طريق عبد الله بن عبيدة عن أبي بكر رضي الله عنه، ونقل البيهقي في السنن (9/89) عن أحمد أنه قال:"هذا حديث منكر، ما أظن من هذا شيء، هذا كلام أهل الشام".
(3) أخرجه البيهقي في الشعب (1447) من طريق عبد الله بن الوليد عن عبد الله بن عبيد مرسلًا ثم أخرج الدعاء وحده بلفظ: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )وكذا الطبراني في الكبير (5694، 5862) من حديث سهل بن سعد، وصححه ابن حبان (973) ، وقال الهيثمي في المجمع (6/117) :"رجاله رجال الصحيح". وقوله: (( إني لم أُبعث لعانًا، ولكني بعثت رحمة ) )أخرجه مسلم في السير (2599) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وليس فيه أنه قاله يوم أحد، قال الحافظ في الفتح (11/ 196) :"المراد بالمغفرة في قوله في الحديث الآخر: (( اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )العفو عنما جنوه عليه في نفسه لا محو ذنوبهم كلها، لأن ذنب الكفر لا يمحى، أو المراد بقوله: (( اغفر لهم ) )اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة، أو المعنى اغفر لهم إن أسلموا والله أعلم."
(4) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية (4/412) فقال:"حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله قام على باب الكعبة فقال:"فذكره في حديث طويل ، وهذا سند معضل ، وروي عن قتادة السدوسي مرسلًا ، أخرجه الطبري في تاريخه (2/161) من طريق ابن إسحاق.
(5) أخرجه أحمد (3/388) ، وأبو داود في الجهاد (2669) ، وابن ماجه في الجهاد (2842) وغيرهم عن رباح بن الربيع رضي الله عنه بنحوه، وليس فيه: (( ألم أنهاكم عن قتل النساء؟! ) )وصححه ابن حبان (4789) ، والحاكم (2/122) ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2323) .
(6) انظر: مجموع الفتاوى (28/ 617 ـ 618) .
المشروع الحضاري الإسلامي
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الضرورة إلى المشروع الحضاري الإسلامي. 2- ضراوة الحرب على الإسلام. 3- شراسة الحملات الإعلامية. 4- تلبيس أعداء الإسلام وتدليسهم. 5- أهداف الحملات الإعلامية وأغراضها الدنيئة. 6- حتمية المواجهة. 7- ما ينبغي اتخاذه. 8- ملامح المشروع الحضاري الإسلامي ومعالمه وركائزه. 9- التحذير من بدع رجب.
الخطبة الأولى
أيها المسلمون، في عصر التحدِّي الحضاري ودوَّامة التحامل الإعلامي على هذا الدين الإسلامي تتعاظم حاجةُ الأمة الإسلامية إلى الاضطلاع بمهمَّة المشروع الحضاري الإسلامي، تقويمًا للمسيرة، وتصحيحًا للرُّؤى، وتنسيقًا في الجهود والمواقف، وإعلاءً لمنظومة المُثُل والقيم، وإشاعةً للودِّ والتسامح والتراحم، وبثًا لروح التعاون والتصافي والتفاهم، وبالتالي ارتقاءً بالإنسانية وإسعادًا للبشرية.
معاشر المسلمين، واستقراءً لنصوص الوحي المطهَّر، واعتبارًا بحوادث التأريخ، وتأمُّلًا في دنيا الواقع، يخرجُ الغيور المستبصر ويدرك المتابع المتأمِّل أن آليات الهجوم على الإسلام وتشويه حقائقه وطمس محاسنه تتنامى ولا تتناهى، وتتعاظم ولا تتناغم، وتكون أكثر خطورة وأشدَّ ضراوةًَ حينما تشعل الحرب الإعلامية فتيلَها، وتذكي الهجمة الدعائية أُوارَها حيث لم تعُد مقتصرةً على بعض الأقلام الآحادية المغرضة، بل تبنَّتها مراكزُ أبحاث ودراسات، وتلقَّفتها دوائر ومؤسَّسات، في ظاهرةٍ من التحامل المنظَّم والتخطيط المبرم، مما يستدعي من الأمة وقفةً جادة متأنِّية لدراسة أبعاد هذه الحملة ومراميها وأهدافها، ووضع البرامج والآليات العملية لمواجهتها والتصدِّي لها، ومن هنا جاءت الحاجة الملحَّة لتبنِّي الأمة للمشروع الحضاري الإسلامي، الذي ينبغي على كل ذي دين وغيرة أن يُسهم بما يستطيع لدعمه وتشجيعه، ولو بإعطاء صورة مشرقة عن الإسلام في حسن تعامله وتصرفاته, وضبط سلوكياته وأخلاقياته.
إخوة العقيدة، ولعل أهمَّ بواعث طرح هذا المشروع الحضاري تلك الحملاتُ الموتُورة التي تصوَّب سهامُها ضدَّ دين الأمة وقيمها وثوابتها وبلادها، تطاولت على مقام الربوبية والألوهية، ونالت من جناب صاحب الرسالة المصطفوية ـ بأبي هو وأمي ـ، وسخرت من الحدود الشرعية وطالبت بإلغائها، وهاجمت الحجاب وقضايا المرأة المسلمة، وحملت على مناهج التعليم الإسلامي، واتَّهمت المؤسسات الخيرية والإغاثية والإنسانية، وشوَّهت دورها الريادي الذي تقوم به عالميًا، وسلَّطت ألسنة حدادًا وأبواقًا شدادًا على بلاد الحرمين حرسها الله في أهمِّ جوانب كيانها ومكوِّنات وجودها، تشويهًا للحقائق، وتضخيمًا للهنات والشقاشق، وما ذاك إلا لأنها محضن الإسلام، ومأرز الإيمان، ومتنزَّل القرآن، ولها المكانة الكبرى والقدح المعلَّى في تبني قضايا المسلمين والدفاع عن حقوقهم. والأدهى من ذلك الأساليبُ المنفِّرة التي تقوِّض دعائم السلام العالمي، وتخلخل ضمانات الأمن الدولي، وتُسهم في إضعاف فُرصِ التعايش بين الحضارات، وتدعم الصدامَ والصراع بين المؤسسات، وتغذِّي الإنسانية بالأحقاد، وتذكي لهجةَ الكراهية بين الشعوب، وتروِّج الأكاذيب والأراجيف والشنشنات الأخزمية، وكلُّ ذلك لن يضير هذا الدين بحمد الله، بل لقد كان من أسباب الإقبال عليه والقراءة عنه، كما أن هذه الافتراءات ستتحطم بإذن الله أمام صخرة تمسّك الأمة بثوابتها، وستتلاشى أمام سدِّها المنيع المتمثِّل في عدم اهتزاز قناعات الأمة بدينها، وتلاحم رعاتها ورعيَّتها، في مرحلة حرجة وفترة عصيبة تتطلَّب بُعدَ النظر وتغليبَ منطق العقل والحكمة، والإرجاءَ لصغار المصالح لئلا تفوت كبارُها، والأخذَ بأدنى المفاسد حتى لا تحصُل عظامُها، فالدين والأمة والمجتمع والبلاد مستهدفةٌ في أعزِّ مقوِّماتها، ولذلك فإن تبنِّي الأمة للمشروع الحضاري الإسلامي يحقق الحفاظ على ثوابتها وهويَّتها، ويوحِّد جهودها في مواجهة المخاطر، ويحفظها بإذن الله أن تُستدرج لمعارك خاسرة، أو أن يستثار ويُستفزَّ بعضُ أبنائها في أنماط هامشية، تُستجرّ الأمة من خلالها إلى ويلاتٍ من الفتن والمحن، وطوفانٍ من الرزايا لا يعلم عواقبها إلا الله. كما أن الحفاظ على جبهة الأمة الداخلية ووحدة صفِّها الأرضيةُ الصلبة التي ينطلق منها هذا المشروع الحضاري، ليتفيَّأ العالم ظلالَه خيرًا وعطاءً، وسعادةً ونماءً، وأمنًا وسلامًا، وتسامحًا ووئامًا، في بعد عن غوائر الشرور والعنف والإرهاب، ومسالك الظلم والإفساد والإرعاب.