ومما تقدم ندرك أن اللغة الفرنسية دعامة أساسية لنقل نمط الحياة الغربي الفرنسي؛ وأن الاستعمار السياسي والاقتصادي والتبشير قائم على اللغة التي هي هنا الفرنكوفونية؛ وأن فرنسا تتزعم فرض الكاثوليكية رغم زعمها العلمانية وفصل الدين عن الدولة؛ وأن إحياء النزعة الأدبية الإفريقية والزنجية باللغة الفرنسية هو نوع من الاستدراج لتثبيت الفرنكوفونية، وقد بدأت بتشجيع بعض الحكام والزعماء ليكونوا قدوة لشعوبهم؛ وإنشاء ترسانة من الجامعات الفرنسية خارج أراضيها والخاضعة لنفوذها مثل «جامعة سنجور» بالإسكندرية، وإنشاء منظمات ووكالات لتدعيمها؛ وإن تتويج هذه الترسانة بمجلس أعلى ثم بوزارة بأسرها لدليل صارخ على معنى الفرنكوفونية ومغزاها وأهدافها. وإن التداخل الواضح بين الفرنكوفونية والاستعمار والغرس الثقافي المخطط والتبشير ليس بحاجة إلى مزيد من الأدلة؛ وليس من المبالغ فيه تعريف الفرنكوفونية بأنها بمثابة الآلة الحربية التي تساعد فرنسا على الاحتفاظ بمستعمراتها؛ فإن الاستعمار لا يتخلى أبدًا عن المجال الثقافي حتى وإن تخلى عن الأرض المحتلة، وإنه يتصدى للدين على أنه أكبر قوى يمكنها تجميع الشعب أو الشعوب، وهو ما تراه يتم حاليًا بصورة علنية أو شبه علنية من حيث محاولة اقتلاع الإسلام بفعل مخطط الفرنكوفونية من جهة، وبفعل القرار الذي تم اتخاذه في المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965م لاقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم.
فإذا ما تذكرنا أن معظم البلدان التي احتلتها فرنسا بلدان إسلامية أو وثنية، وأن الوثنية لا تعنيها في كثير أو قليل؛ لأنها تقوم بتنصير أتباعها بشتى الوسائل، لأدركنا خلفيات كثيرة غائبة أو مغيبة، ولأدركنا ضرورة وأهمية المطالبة بالحقوق الاقتصادية والثقافية والدينية والعدالة الاجتماعية، ولأدركنا أهمية وضرورة أن نتمسك بإسلامنا، وألا نعاون على اقتلاعه عن المنبع كما يتم حاليًا بشتى المسميات، وخاصة ضرورة المطالبة بأن يقتصر تعليم اللغة الفرنسية بحيث تظل لغة تعامل إنساني متكافئ المستويات، والأكثر أهمية من هذا وذاك: أن نكف عن تنفيذ مخططات الفرنكوفونية بأيدينا.
(*) أستاذة الحضارة الإسلامية، جامعة القاهر
الانحراف الأخلاقي وأثره في الانحسار الحضاري
تلعب الأمراض الاجتماعية والآفات الأخلاقية دورًا بارزًا في تقويض عرى الحضارات الإنسانية المختلفة؛ فقد أقامت العديد من الأمم السابقة آيات من البناء المادي، وشيدت منجزات حضارية هائلة سرعان ما بادت وانحسرت بتمحورها حول القطب المادي وإغفالها للقيم الروحية والمثل الأخلاقية ودورهما الهام في عملية البناء الحضاري.فلم يشهد التاريخ مصرع حضارة فتية المثل والقيم، سليمة من الآفات والعلل الاجتماعية والأخلاقية، ولكنه شهد عددًا من مصارع حضارات وأقوام أفلست أخلاقيًا واجتماعيًا ودينيًا، فحق عليها قول التدمير وكلمة الفناء الأزلي، ولم تغن عنها محصلاتها المادية.فالقوى المادية ـ وإن كانت تعد من أسباب التحضر والتقدم ـ إلا أنها قد تكون كذلك من عوامل التخلف والشقاء إذا ما قامت الأمم والشعوب بتحويلها إلى أسباب غرور وتفاخر وتسلط وظلم لمن حولها، وتهميش كل ما وراء ذلك.فالفساد والانحراف لا بد أن تجنيه الأمم ترديًا وأفولًا وانحسارًا في حضارتها، وتلك سنة الله في الأمم؛ ولن تجد لسنة الله تبديلًا.والانحراف الأخلاقي من أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحول عافيته وفجاءة نقمته؛ فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب. قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} . [الشورى: 30] .فتغير أحوال الأمم والحضارات من الصعود والرقي إلى التدهور والانحسار لا يكون إلا بتغيرهم وتوجههم نحو المعاصي وارتكاسهم في الانحراف والابتعاد عن منهج الله وفطرته. قال ـ تعالى ـ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] . فقد أخبر الله ـ تعالى ـ أنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فإذا غير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، كان الهبوط والتردي جزاءً وفاقًا. قال ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [الرعد: 11] .بل إن الانحراف الأخلاقي ليقطع على الأمم طريق النهوض والإقالة من العثرات كذلك؛ فإن نعم الله لا تستجلب إلا بطاعته، كما أن النقم تستجلب بمعصيته والانتكاس عن طريقه؛ فالخالق ـ سبحانه ـ اختط للأمم سننًا في النهوض والبقاء كما وضع لها سننًا وقوانين أخرى في الهبوط والزوال؛ فإذا وظفت الأمم نعم الله عليها من تقدم وتطور في ميادين الحياة المختلفة في معصيته والانحراف عن هديه انقلبت تلك النعم إلى آفات تبطل أعمالها، وتحطم منجزاتها، بل وتكون سائقها إلى سبيل الأفول والانحسار.فاستعمال النعم في معصية الخالق ـ جل وعلا ـ من أهم أسباب زوالها وتحولها. يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"إذا أراد الله حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها. ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعًا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم"ا.ه.إن غياب الوعي بسنن الله في الأنفس والحضارات وأثر الانحراف الأخلاقي في أفولها وانهيارها لا يمكن أن يسوق إلا إلى مزيد من العثرات والانحدارات التي تمهد بدورها السبيل أمام الانحسار التام والسقوط المطبق؛ فالصعود الحضاري في حياة الأمم والشعوب لا يطرأ عليه تغير أو هبوط إلا في حالة سعي تلك الأمم ذاتها في استجلاب ذلك التغيير من خلال انحرافها وحيدتها عن طريق الفطرة الإنسانية وانتكاسها في طريق الضلال.ولله در القائل:إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
هل تعي البشرية اليوم تلك السنة الإلهية الثابتة؟!! (أرجو ذلك) .
الجيل الجديد وأزمة البدائل الإسلامية
مؤسسة الأبرار - 18/05/2005 - 17:44 >
بقلم: د. زينب إبراهيم شوربا (*)
يثير عنوان المقال ( الجيل الجديد وأزمة البدائل الإسلامية ) مجموعة من الاشكالات، ذلك أن تحليله إلى سلسلة متوالدة من التساؤلات المتحجبة وراء تقريريته الشاقة عن التسليم بأزمة هي أزمة غياب البديل الإسلامي، وما يمكن أن ينجم عنها من آثار قد تصيب الجيل الجديد من الأعماق .
ولعل أهم الأسئلة التي أثارها العنوان هي:
أولا: البديل الإسلامي المنشود، بديل ماذا ؟، أهو بديل للإسلام الموجود أم بديل الوافد إلينا من الآخر؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل المشروع مشروطة بتحديد البديل .
ثانيا: أين مكامن الخطر المحدق بالأجيال الصاعدة ؟ وما الذي يتهددها فعلا وواقعا؟