ويوضح إحصاء عام 1992م أن هناك مائتي مليون وأربعة ملايين نسمة يتحدثون باللغة الفرنسية، أي أن هذه اللغة لم تعد قاصرة على الشعب الفرنسي، بل إن الفرنسيين أنفسهم أصبحوا يمثلون أقلية صغرى بين المتحدثين بلغتهم!
ومما تقدم يمكن إدراك مضمون معنى الفرنكوفونية بمردوده المتعدد الجوانب، ومدى ارتباطه بالجانب السياسي الاستعماري، والجانب الثقافي والفرنسي الثقافي، والجانب التبشيري واقتلاع الهوية للشعوب التي تم استعمارها.
ولا يتسع المجال هنا لتناول الانعكاسات المؤثرة على اللغة الفرنسية نفسها من حيث التداخلات الواقعة عليها من مختلف اللغات المحلية وتأثير هذه اللغات على المفردات وعلى قواعد اللغة الفرنسية، إلا أن الأمر الواضح حاليًا هو تسرب العديد من المفردات الأمريكية والإنجليزية ولهجاتها العامية أو الدارجة، كما لا يسع المجال لتناول مختلف الجوانب المرتبطة بالفرنكوفونية كالجانب السياسي الاستعماري، أو الجانب التبشيري واقتلاع الهوية، رغم أهميته؛ فقد قامت البعثات التبشيرية بالاستعمار لحسابها الشخصي، بل قامت بما هو أسوأ؛ إذ غزت وأبادت، وصادرت واستولت، وأفسدت واحتلت، وساهمت في اقتلاع هوية العديد من الجماعات الإنسانية؛ كما استغلت نظام العبودية وسلطة النفوذ الكنسي لفرض التنصير الإجباري. ولن نتناول سوى الجانب الثقافي والفرنسي الثقافي؛ إذ إن مصطلح الفرنكوفونية أصبح يتضمن معنى الآلة الحربية التي تساعد على الحفاظ على المستعمرات السابقة بعد أن حصلت على حريتها ولو شكلًا.
وإن كان التحرر من الاستعمار يعني مجمل محاولات الشعب الذي تم استعماره للتخلص من نير ذلك الاستعمار وتصفية وجوده العسكري، إلا أنه مرتبط ـ من ناحية أخرى ـ بالجانب الثقافي. ويوضح الكاتب ألبير ممّي في كتابه عن «صورة المستَعْمَر» مختلف المحاور التي تتضمنها عملية التحرير هذه وأهمها المطالبة بالحقوق الاقتصادية والثقافية والدينية إضافة إلى العدالة الاجتماعية. ومن الملاحظ أن مجال الاستثمار يتحول في الواقع إلى استعمار اقتصادي يزيد الهوة بين الطبقات في نفس المجتمع، كما يزيد هذه الهوة بين البلدان الغنية المستعمرة والبلدان الفقيرة التي تم اعتصار خيراتها أو هي لا تزال تنزفها.
ويمثل مجال الثقافة ركيزة من أهم الركائز التي لا يتخلى عنها الاستعمار؛ فعندما تتحرر الشعوب عادةً ما تحاول التحرر من الاستعمار الثقافي أيضًا، وتبدأ عملية البحث في تراثها لتعاود اتصالها وارتباطها بالجذور. وتأكيد الهوية الدينية يمثل جزءًا من تأكيد الذات للشعوب المتحررة من الاستعمار؛ لذلك يحاول المستعمر ويجاهد في عملية التصدي للدين بحكم أن الدين يمثل أكبر قوى يمكنها توحيد صفوف الشعب، وهو ما يوضح من ناحية أخرى، انتشار البعثات التبشيرية وتزايد نشاطها المحموم في المستعمرات السابقة حاليًا.
والنطق بمجال الثقافة في هذا السياق يتضمن بلا شك ذكر مجال الغرس الثقافي؛ لأنهما وجهان لعملة واحدة، وقد تم اشتقاق مصطلح الغرس الثقافي منذ 1880م بين علماء الأجناس في أمريكا الشمالية، وإن كان البريطانيون يفضلون عبارة «التبادل الثقافي» التي لا تحمل معاني ترتبط بالاستعمار والتبشير، وكأن هذا «التبادل» يتم بصورة متكافئة!! أما الفرنسيون فيفضلون عبارة «التداخل الثقافي للحضارات» ومن هنا ندرك أن كل هذه العبارات والمسميات ليست إلا تنويعة على مضمون واحد ثابت لا يتغير هو الاستعمار بكل توابعه، إلا أن المصطلح الأمريكي «الغرس الثقافي» هو الذي ساد واستقر بكل ما يحمل من غطرسة وفكرة التفوق الغربي الذي عليه أن يسود ولو بالقهر، ولو بالعمد أو الغرس على حد قول المسمى.
وسرعان ما تحولت عملية الغرس الثقافي إلى علم له مذاهبه ومناهجه منذ منتصف القرن التاسع عشر وخاصة مع مطلع القرن العشرين؛ وذلك بإنشاء المدرسة المعروفة باسم: (الدوائر الثقافية) ، وكيفية اقتلاع ثقافة الحضارات الأم لإحلال ثقافة المستعمر وحضارته، ولهذا المصطلح تاريخه ووضعه الحالي والتخطيط لمستقبله؛ واستعراض تاريخه يوضح كيف أن عملية الغرس الثقافي هذه يمكن أن تتم بصورة شاملة لبلد ما بفضل تبادل الجماعات الدينية والاقتصادية، أو بصورة عدائية مفروضة، أو في شكل صراعات بين الأقليات والشعوب التي تحتضنها.
وتبدأ عملية الغرس الثقافي بنوع من الصراع من جانب الثقافات المحلية التي سرعان ما تخضع للضغوط المفروضة بصورة مباشرة عن طريق الاستعمار وتقدم فعاليات الإمبرياليات التجارية والثقافية والتبشيرية، وسهولة التنقل والأسفار وإمكانيات وسائل الإعلام التي تم توظيف غالبيتها لهذه الأغراض؛ فيكفي مثلًا أن تتم عملية تغيير وسائل الإنتاج وتقنيات العمل في دائرة ما حتى ينتقل هذا التغيير إلى المجال الأسري والعلاقات السلطوية والقيم الدينية، ومع فصل ما هو ثقافي عما هو اجتماعي تبدأ عملية الامتصاص للهوية الأصلية.
واحتكاك الثقافات لا يتم بين ثقافة وأخرى بصورة مبهمة أو بشكل مجرد، وإنما يتم من خلال أفراد يحملون ثقافات مختلفة، وهؤلاء الأفراد خاضعون لمراكز اتصال وأجهزة سيطرة ومؤسسات لها قواعدها وعملها ومعاييرها ومنظماتها، اعتمادًا على إدخال مفاهيم المستعمر والغرس الثقافي في الإجراءات السياسية والاقتصادية وإدخال مقومات الغرس الثقافي في الكوادر الاجتماعية والقومية والدولية؛ فالتنمية الاقتصادية تتضمن عملية غرس ثقافي تحمل قيم المجتمع الغربي ومعاييره التي يصدرها.
ويوضح روجيه باستير في كتابه المعنون: «مشكلات تداخل الحضارات وأعمالها» كيف تتم عملية السيطرة والتخطيط وتوجيه الغرس الثقافي، وكيف تتم كلها من خلال العلوم الاجتماعية التي تتبع متطلبات ومصالح الدول الكبرى، وكيف يعتمد علم الأجناس الاجتماعي حاليًا على دراسة كيفية التداخل بين الحضارات حتى يتم الاستعمار بصوره الثقافية الجديدة، لكن لا تتكرر «أخطاء» الماضي التي أدت إلى حركات المطالبة بالتحرر، وكيف تقوم فرنسا حاليًا بعملية الغرس الثقافي المخطط في البلدان التي احتلتها بأن تتم عملية الغرس في اتجاه واحد هو فرض التغريب ومصالح الغرب بواسطة حكام هذه البلدان وبواسطة أصحاب القرار فيها، وبأن تستعين بنظريات علمية تخدم مصالحها حتى من خلال استعمال مصطلحات جديدة، ثم يوضح أن هذه الاستراتيجية تعتمد على أن كل ثقافة مكونة من عدة ملامح ثقافية، وهذه الملامح مرتبطة بشبكة تقوم بالربط بينها، وأن المجال الثقافي يسيطر على المجال الاجتماعي من خلال تبديل القيم والمفاهيم والعادات التراثية حتى يمكن تعديل المؤسسات والبنيات والتصرفات الآدمية. كما تقوم بخلق احتياجات جديدة وخاصة بخلق كوادر جديدة لكي تتم عملية التغيير بأفراد من الداخل وهي نفس الفكرة التي كان المستشرق زويمر قد قالها في مطلع القرن الماضي بأن الإسلام لن يُقتلع إلا بأيدي مسلمين من الداخل. ويؤكد روجيه باستير في هذا الصدد قائلًا: «إن الغرس الثقافي المخطط الذي تقوده سياسيًا الجماعات المسيطرة يعد بمثابة القانون العام لعصرنا الحالي» .