كان بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ عبدًا حسب قانون المجتمع الذي يعيش فيه، ولكنه كان يمارس الحريّة حين كان يعلن «أحد.. أحد» ، وهو تحت التعذيب. كان يمارس الحريّة بشكل قد لا يقدره من يعيشون في عالم أغليت فيه العبودية «قانونيًا» .
بل إن هؤلاء محرومون من لحظة يشعرون فيها بأنهم يمارسون ما يرونه حقًا.
نعم! إن حرية الإنسان مرتبطة بحياته؛ فإذا فقد الإنسان حريته فقد ذاته؛ فلماذا نُدهش حين نسمع قصص الشجاعة التي تملأ بها الحريّة قلوب المدافعين عنها؟
إن الشِّهام لا يخشون الخطر من أجل الظفر بمطلبهم.
ولا يريد العبودية إلا من استعبدتهم الشهوات.
والطغيان داء عضال إذا أصاب أمة حوّلها إلى قطيع من البائسين اليائسين الخائفين المتملقين.
إننا نقدر على الخلاص من الطغاة إذا حاولنا ـ لا أقول العمل على ذلك ـ بل مجرد الرغبة فيه.
ليس مطلوبًا منا أكثر من «الامتناع» عن مساندة الطاغية، وعندها يسقط كتمثال سُحبت قاعدته، فهوى على الأرض بقوة وزنه وحدها فانكسر.
إن الاستعباد شجرة خبيثة، وهي ليست للبقاء؛ لأنها ضد الحياة، وهي لا بد ساقطة في النهاية تحت ثقلها الخاص، وكلما اشتد الظلام اقترب الفجر، وكلما ظهر الكمال على الطغيان كان إيذانًا بانبلاج الصبح.
فلا يفتتنكم ـ يا بني ـ «قافلة الرقيق وما فيها من عبيد تزين أوساطهم الأحزمة، أو يحلي صدورهم القصب، ولنتطلع إلى موكب الأحرار، وما فيها من رؤوس تزين هاماتها مياسم التضحية، وتحلي صدورها أوسمة الكرامة، ولنتابع خطوات الموكب الوئيدة في الدرب المفروش بالشوك، وكن على يقين من العاقبة... فالعاقبة للصابرين...» (1) . {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .
-.. وبعد:
فلست أزعم أنني قلت كل ما ينبغي أن يقال؛ فنحن في زمان يجعل ما يسكت عنه المرء ـ في بعض الأوقات ـ أهم مما يقوله، ويشبه الخوض في بعض قضاياه الدخول إلى «جحور الأفاعي.
ولكني أطمع من وراء هذا المقال أن أكون قد ألقيت حجرًا يحرّك مياه وعينا التربوي، ليصبح قادرًا على اكتشاف جذور العبودية الغالبة على حاضرنا، والمعوقة لمسيرة مستقبلنا.
ومن ثم يتخلص المسلم من أغلاله، فيعود كالنور دائم الحركة في الصراع للخروج من العبودية إلى الحرية، لا يكلّ ولا يملّ ولا يكسل، ولا يقبل العبودية الذليلة.
وهو «بداية البدايات» في طريق خروجنا من النفق المظلم الذي دخلناه، مأزق الانتحار الحضاري والانقراض المعنوي؛ وعندها نصنع الحضارة.
(1) جذور الاستبداد ـ د. عبد الغفار مكاوي ـ ص 10، 11.
(2) كتب المفكر الفرنسي (إتيين دى لابواسييه) في عام 1562 م، مقالة بعنوان «العبودية المختارة» قام فيها بتحليل آلية الاستبداد، فراجعه إن شئت.
(1) راجع إن شئت «الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة» للمؤلف ـ ص 30.
(1) في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 2 ص 845. (2) إخراج الأمة المسلمة، د. ماجد عرسان الكيلاني، ص 89.
(3) البداية والنهاية ـ ابن كثير ـ ج 7. (4) راجع إن شئت «معالم في الطريق» ، سيد قطب، فصل: طبيعة المنهج القرآني.
(1) طبائع الاستبداد ـ الكواكبي.
(1) دراسات إسلامية ـ سيد قطب ـ ص 127 بتصرف.
السيرة النبوية مشروعًا حضاريًا
أ. د. عماد الدين خليل
إلى عهد ليس ببعيد (ربما يكون منتصف القرن الماضي) كانت البحوث والدراسات والمصنفات المعنية بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وعصر الرسالة تنحو ـ في معظمها ـ منحى تقليديًا يرمي بثقله في اتجاه المعارك والغزوات والشمائل، وقد يعالج المفردات الدعوية والتشريعية والسلوكية منفصلة عن سياقها العضوي العام، لكنه لم يكد يلتفت إلى البعد الحضاري لهذا العصر الذي أقام دولة كبرى، ونسج تشريعًا خصبًا، وهيأ الشروط لقيام حضارة متميزة.
ثم إن معظم الباحثين سحبوا رؤيتهم التجزيئية في تعاملهم مع العصر إلى صيغ التعامل مع «المصادر» التي استقوا منها مادتهم التاريخية، فلم يحاولوا إلا في القليل النادر، أن يكسروا الفواصل بين أنماط تلك المصادر، وأن يستدعوا كل تلك الأنماط من أجل وضع أيديهم على الصورة الأكثر مقاربة لسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وعصر الرسالة: القرآن الكريم وتفاسيره، الحديث النبوي الشريف، كتب الأدب ودواوين الشعر، كتب الفقه، كتب الجغرافيا والرحلات، فضلًا عن كتب التاريخ في أنماطها كافة: السيرة، التاريخ العام، التاريخ المحلي، تواريخ المدن، التراجم، الأنساب والطبقات.
وقد التزموا الخط الزمني لوقائع السيرة، فكانوا يتحدثون عن وقائع كل سنة مجتزَأة عن وحدتها الموضوعية، اسوة بما كان الأجداد يفعلونه فيما يسمى بالحوليات. وكان هذا يمارس تقطيعًا للوقائع الأساسية، واختراقًا لنسيجها بوقائع أخرى تتحرك في سياق مغاير، كأن يتم الحديث في السنة أو الحولية الواحدة عن الصراع ضد الوثنية، واليهود، والبيزنطيين، والمنافقين، جنبًا إلى جنب مع المعطيات التشريعية أو الدعوية أو التعبدية أو السلوكية... إلخ.
كما أن الرؤية النقدية كادت أن تغيب عن تلك الأعمال، فكان أصحابها يسلِّمون بالغث والسمين، ما يمكن قبوله وما لا يمكن.. وهو الأمر الذي أضاف إلى وقائع السيرة الأساسية أجسامًا غريبة، وقادها إلى نوع من التضخم على حساب بنيتها الأصيلة المتفق عليها.
ولحسن الحظ بدأ النصف الثاني من القرن الفائت يشهد تطورًا ملحوظًا في دراسات السيرة، على مستوى المنهج والموضوع، وراحت هذه الدراسات تزداد ـ بمرور الوقت ـ نضجًا وإحكامًا بسبب من الوعي المتزايد بمطالب منهج البحث من جهة، والرغبة العلمية الصادقة في الرد على المحاولات الجانحة في التعامل مع السيرة، سواء جاءت من الخارج على يد المستشرقين بأجنحتهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم كافة، أو من الداخل على ايدي المغالين أو العلمانيين أو المنساقين وراء الميول والأهواء والتحزبات، أو المتأثرين بالمعطيات الاستشراقية في توجهاتها كافة.
ثم جاء تنامي النشاط العلمي، وتزايد رسائل الدراسات العليا في المعاهد والجامعات، لا لتعزز القيم المنهجية الأصيلة في التعامل مع وقائع السيرة فحسب، وإنما ـ أيضًا ـ لكي تنفذ دراسات معمقة في هذه الواقعة أو تلك، وفق معايير نقدية صارمة، وقدرة على الإمساك بالدقائق والتفاصيل والجزئيات، تعين الباحث على الإيغال في شرايين الواقعة من أجل الوصول، أو محاولة الوصول إلى بنيتها الأساسية كما تشكلت فعلًا، لا كما أراد لها الرواة والأخباريون والمؤرخون أن تكون.
وفي موازاة هذا، أخذت تظهر دراسات تخصصية في السيرة باتجاه آخر... لا تقف عند هذه الواقعة أو تلك في نسيجها العام، وإنما تتعامل معها ككل، ولكن من منطلق منهجي محدد يسعى لأن يتابع معطيات السيرة عبر هذا التوجه أو ذاك من مجراها العام.
وهكذا ظهر كتاب «فقه السيرة» للغزالي لكي يقدم رؤية «دعوية» للسيرة، وكتاب البوطي (1) بالعنوان نفسه لكي يقدم رؤية فقهية، والأستاذ سيد قطب ومنير الغضبان لكي يقدما رؤية حركية، وباحثون آخرون قدموا رؤية تربوية أو أخلاقية أو سلوكية أو سياسية.. هذا إلى قيام الدكتور أكرم العمري وعدد من طلبة الدراسات العليا بتنفيذ منهج المحدثين في التعامل مع مرويات السيرة (2) .