فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 2255

ويحاول هذا الفصل الكشف عن بعض جوانب فكر حركة الاستنارة الغربية وتناقضاته باعتباره الإطار المرجعي النهائي للعلمانية الشاملة، قدم لها ببيان مفهوم مصطلح الاستنارة في الخطاب الفلسفي العربي، أكد فيه أنَّ تعريفات الاستنارة في الأدبيات العَربية تعريفات عامة للغاية تدور حول حق الاجتهاد وحرية العقل بحيث لا يمكن للإنسان أن يختلف معها، فمن ذا الذي يرفض حق الاجتهاد والاختلاف وتحكيم العقل في جميع القضايا ؟! .. فالمشكلة -فيما يرى المؤلف - لا تكمن في استخدام العقل أو عدم استخدامه، وإنما في نوع العقل الذي يستخدم (عقل مادي أداتي أم عقل قادر على تجاوز المادة ؟ وفي الإطار الكلي الذي يتحرك فيه هذا العقل، والمرجعية النهائية التي تصدر عنه) .

ويذهب المؤلف إلى أن فِكر الاستنارة هو الأساس الفلسفي الذي تنطلق منه العلمانية الشاملة، وأن هذا الفكر كان يتحدث عن متتالية العلمانية والتحديث المثالية، ويبشر بثمراتها، وأن ما تشكل في الواقع كان مغايرا إلى حد كبير عما تحدثت عنه البشرى.

ثم عرض المؤلف لنظرة فِكر الاستنارة الغربية للمحاور الثلاثة التي تقوم عليها أية منظومة فلسفية وهي الإنسان والطبيعة والإله، وفي حالة الاستنارة يحل العقل محل الإنسان في هذا الثالوث.

كما تناول موقف فكر حركة الاستنارة من نظرية المعرفة، والإشكالية الرئيسة التي تطرحها المرجعية المادية الكامنة، وهي إشكالية علاقة العقل الإنساني بالطبيعة / المادة وأيهما هو موضع الكمون. حيث تتبدى الإشكالية في الصراع بين النموذج الواحدي المادي المتمركز حول الذات، والذي يفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة / المادة، وبين النموذج الواحدي المادي الطبيعة/ المادة، والذي يفترض أسبقيتها على الإنسان.

وفي إطار هذا الصراع تناول المؤلف النظرية الأخلاقية ، فامتدادا لهذه الأطروحة المادية ظهرت الفلسفة النفعية للتعبير عن هذه النزعة الطبيعية الحسية المادية، وقد أعطت هذه الفلسفة للإحساسات الفيزيائية الأسبقية على المفاهيم الأخلاقية، بل والمفاهيم العقلية والإنسانية، فالأخلاق لا علاقة لها بالفضيلة أو الاحتياجات الروحية، وإنما لها علاقة بالسعادة ( اللذة والمنفعة) وبالتالي عرف الخير والشر تعريفا ماديا كميا، فالخير هو ما يدخل السعادة (اللذة) على أكبر عدد ممكن من البشر، وما يحقق لهم المنفعة، والشر هو عكس ذلك ( أي ما يسبب الألم والضرر) والعواطف الإنسانية إن هي إلا تعبير عن حركة المادة، وليس هناك أسئلة أخلاقية كبرى أو نهائية فكل الأمور مادية نسبية متغيرة.

* الفصل الرابع: التمركز حول الأنثى:

ناقش فيه حركة التمركز حول الأنثى باعتبارها أحد تجليات المتتالية العلمانية في مرحلتها الصلبة، ووضح السياق الفكري والاجتماعي لحركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها وحركة الفيمينزم (النَّسَوِيَّة) ، حيث كانت الأولى تنطلق من الإيمان بتميز الإنسان مطالبة بالمساواة بين البشر، والمرأة في تصور هذه الحركة كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع (لا تحقيق عدالة مستحيلة خارجة) ، وعادة ما تطالب حركات تحرير المرأة بأن تحصل المرأة على حقوقها كاملة سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية، أما حركات التحرر الجديدة (التمركز حول الأنثى) فجاءت تأكيدا على فكرة الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتصدر عن رؤية واحدية إمبريالية، وثنائية لا تتقبل الآخر، وكأنه لا توجد مرجعية مشتركة بينهما، فالمرأة متمركزة حول ذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، وفي حالة صراع كَوني أزليّ مع الرجل المتمركز حول ذاته.

وقد رأى المؤلف أن ثمة تشابها واضحا تعرض لإبرازه بين حركة التمركز حول الأنثى والنظام العالمي الجديد و الإمبريالية النفسية من جهة، وبين الصهيونية من جهة أخرى.

التقويم:

تُمثل الدراسة إضافة مهمة للمكتبة العربية؛ لذا فهي جديرة بأن تقع في بؤرة اهتمام المثقفين والمفكرين والمتخصصين في دراسة المذاهب الفكرية وتطوراتها.

ولو أضاف المؤلف إليها توثيق المادة المطروحة والتخفف بعض الشيء من التوسع في اشتقاق الألفاظ وسك المصطلحات وتجنب الاستطراد والتكرار لكان الكتاب - ونخاله كذلك - موسوعة عن الفكر العلماني المادي المعاصر، وإذا كان غالب من تعرض للحديث عن العلمانية تناولها من جانب من الجوانب فقد نظر إليها المؤلف نظرة شمولية تحليلية مبرِزًا أُطُرها النظرية و تجلياتها العملية في إطار نظرة المفكر الفيلسوف الذي لا يقنع بالظاهر بل يتغيا للعلل البعيدة للأشياء مستكشفا بعدها الكلي والنهائي، ولا عَجَب أن يَصْدُرَ مثل هذا العمل من المؤلفٍ هو رجل موسوعي، وهذه ثمرة رحلة طويلة من البحث، وحياة فكرية ثرية.

الملاحظات:

-المؤلف د. عبد الوهاب المَسِيْرِي مصري وُلد في محافظة دَمنهور عام 1938م، تخرَّجَ في جامعة الإسكندرية عام 1959م،

وحصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا عام 1964، والدكتوراه في المجال نفسه عام 1969،

عمل أُستاذا للأدب الإنجليزي المقارن في جامعة الملك سعود والكويت ثم في كلية البنات جامعة عَين شَمس،

وكان مستشارا ثقافيا لوفد جامعة الدول العربية الدائم بالأمم المتحدة من عام 1975: 1979م ورئيسَ وحدة الفكر الصهيوني،

ومن مؤلفاته:

1-نهاية التاريخ ( مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني) .

2-الأيديولوجية الصهيونية (دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة) .

3-الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية (دراسة في الإدراك والكرامة) .

4-أسرار العقل الصهيوني، الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ (رؤية حضارية جديدة) .

5-مَن هو اليهودي.

6-موسوعة تاريخ الصهيونية.

7-موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية .

وقد أصدر سيرته الذاتية في كتاب عنوانه"حياتي الفكرية ... البذور والجذور والثمر"، وفيه دعا المفكرين إلى تقديم حياتهم كوثيقة للأجيال الصاعدة.

(راجع موسوعة أعلام الفكر العربي، سعيد جودة السحار، مكتبة مصر، 3 / 282)

قبل أن يستفحل الشرر

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة

أكاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

لأننا لا يمكن لنا أن نهمل دور مناهج التعليم في تحديد الشخصيات والتوجهات الفكرية لأبنائنا كان لا بد أن أتوقف عند أصوات من الداخل دأبت على مطالبة القائمين على تطوير مناهجنا الدراسية بتوجيه العملية التربوية التعليمية للاهتمام بالمواد العلمية

لا شك أن علينا تجاه أبنائنا وبناتنا فلذات أكبادنا حقوقًا تتجاوز إمدادهم بالماديات من طعام وكساء... لتصل لرعاية أرواحهم وعقولهم، فواجبنا تجاههم يلزمنا بإمدادهم بأبجديات يتمكنون من خلالها وبعون الله من رفعة دينه سبحانه، وليكونوا حصنا منيعا نعتمد عليه بعد الله في مواجهة تحديات معاصرة تخطط لشد البساط من تحت أقدامنا. بغية تحويل مجتمعنا بكافة أطرافه لصورة طبق الأصل لمجتمعات تئن من فساد أنظمتها وفكرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت