فهرس الكتاب

الصفحة 2035 من 2255

[2] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المجلد التاسع، كتاب المنطق، ص 82

[3] كتاب سيبويه: أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، المجلد الأول، عالم الكتب، بيروت، ص31

الانفراط العظيم

مجلة البيان

عدد جمادى الآخر 1420

جعفر شيخ إدريس

الإنفراط العظيم اسم كتاب جديد لعالم الاجتماع والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياماا [1] الذي كان قد ذاع صيته بعد أن أصدر كتابه نهاية التاريخ الذي كان قد زعم فيه أن النظام الغربي الليبرالي في السياسة والرأسمالي في الاقتصاد هما وحدهما النظامان اللذان يتناسبان مع الفطرة الإنسانية لأنهما اللذان يحققان ما في تلك الفطرة من نشدان للكرامة، فهما يمثلان لذلك نهاية التاريخ في هذا المجال ـ أعني مجال النظم السياسية والاقتصادية ـ وأن هذا هو الذي يفسر سير العالم كله نحوهما [2] . لكن فوكوياما كتب في هذا العام ـ بعد عشر سنوات من صدور كتابه ذاك ـ مقالا تراجع فيه عن تلك الفكرة. وعزى تراجعه إلى أن فكرة الكتاب كانت قائمة على افتراض الثبات في الفطرة الإنسانية، وأن تتبعه للتطورات التي حدثت في علم الأحياء في هذه السنوات العشر، ولا سيما في مجال هندسة الجينات، أقنعته بأن العلم الطبيعي يمكن أن يغير الطبيعة البشرية! وإذا كانت الطبيعة البشرية متغيرة فإن النظم السياسية والاقتصادية المناسبة لها ستكون أيضا متغيرة. ولا يدري المرء أيعجب أكثر من فكرة الكتاب الأولى أم من السبب الذي دعاه للتراجع عنها.

أما في هذا الكتاب الجديد فإن الكاتب يناقش قضية من أخطر القضايا التي لا تقتصر أهميتها على المجتمعات الغربية التي هي موضوع الكتاب، بل تهم أو ينبغي أن تهم كل المعنيين بقضايا القيم الخلقية، وصلتها بالفطرة، وبما يحدث في المجتمع من تغيرات تقنية. إن دعاة التغريب في بلادنا ينظرون إلى الغرب نظرة مثالية تغض الطرف عن كل ما يحدث فيه من مشكلات، لأنهم يخشون أن تكون معرفة تلك المشكلات صادة للناس عن السير في طريقه الذي هو مبتغاهم. وهذا كما ترى ليس من العقلانية، بل ولا من الأمانة في شيء. إن غاية المواطن الأمين ينبغي أن تكون السعي لمصلحة بلده. والسعي للمصلحة يدخل فيه التحذير من الطرق التي تؤدي إلى الضرر. لكن إذا كان المستغربون عندنا يحاولون إخفاء هذه الحقائق، فما هكذا يفعل عقلاء المفكمرين الغربيين الحريصين على مصالح مجتمعاتهم وأقوامهم.

إننا في العالم الإسلامي ـ كما هو الحال في بقية العالم ـ نسير في طريق الغرب في كثير من نواحي حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء بضغط من الغرب نفسه، أو بتشجيع من أولئك المستغربين المبهورين به، أو لأسباب أخرى. فالاهتمام بما يحدث في الغرب من مشكلات هو إذن اهتمام بمستقبلنا، لأن مشكلات الغرب الآنية هي مشكلاتنا المستقبلية إذا ظللنا نسير في طريقه غير معتبرين بمزالقه.

وإذا أردنا الاعتبار فإن مما يساعدنا عليه كثيرا هو الحقائق التي ينشرها علماء الغرب ومفكروه أنفسهم. لكن استفادتنا من الحقائق لا تعني بالضروة قبولنا لتفسيراتهم لها، ولا للحلول التي يقترحونها. نعم قد نستفيد من تفسيراتهم ومن حلولهم، لكن يجب أن نفكر لأنفسنا فنجتهد في التفسير والحل مسترشدين بديننا ومعتبرين بما حدث لنا ولغيرنا في تاريخهم وتاريخنا.

والكتاب الذي بين أيدينا من الكتب النافعة في هذا المجال.

يبدأ الكتاب بإعطائنا ملخصا للحقائق الإحصائية لما أسماه بالانفراط العظيم في مجال القيم الخلقية فيقول:

ازدياد في الجريمة وفي تفكك النظام الاجتماعي جعل أواسط المدن في أغنى البلاد على وجه الأرض أماكن لا تكاد تسكن. التدهور في علاقات القربى باعتبارها مؤسسة اجتماعية، ظلت قائمة منذ أكثر من مئتي عام [3] ، ازداد زيادة كبيرة في النصف الثاني من القرن العشرين في كل البلدان الغربية الصناعية. انحط معدل الإنجاب في معظم الدول الأوربية وفي اليابان إلى درجة من الدنو سيجعلها عرضة لتناقص عدد سكانها في القرن القادم إذا لم تكن هنالك هجرة إليها. قل الزواج وقل الإنجاب، وتفاقمت معدلات الطلاق. بلغت نسبة الأولاد غير الشرعيين الثلث في الولايات المتحدة والنصف في الدول الاسكندنافية. وأخيرا فإن الثقة في المؤسسات ظلت تتناقص تناقصا كبيرا لمدة أربعين عاما. في الخمسينات عبر أغلبية الناس في الولايات المتحدة وفي أوربا عن ثقتهم في حكوماتهم وفي زملائهم، لكن أقلية ضئيلة هي التي عبرت عن مثل هذه الثقة في التسعينات. تغيرت اهتمامات الناس بشؤون بعضهم بعضا. ومع أنه لا يوجد دليل على تناقص في الصلات بين الناس إلا أن العلاقات بينهم صارت أقل دواما، وأقل جاذبية، ومع عدد أقل من الناس. [4]

يقول الكاتب إن هذا التدهور في العلاقات الاجتماعية في هذه البلدان الغربية الصناعية في الفترة ما بين أواسط الستينات إلى أوائل التسعينات كان مواكبا لانتقال في هذه البلاد من العصر الصناعي إلى العصر الذي سمي بما بعد الصناعي تارة وبعصر المعلومات أخرى. فهل هنالك من علاقة سببية بين ذلك التدهور وهذا التطور؟

يجيب بأنه يفترض هذا، ويقول إن تدهورا كهذا أعقب الثورة الصناعية في الغرب.

ما الحل إذن؟ يجيب بأنه ليس في الدين كما يظن المحافظون.

فيم إذن؟ هنا يعود الكاتب إلى فكرة الفطرة البشرية فيقول إن البشر هم بطبعهم مخلوقات اجتماعية تهديهم أعظم نوازعهم وغرائزهم أصالة إلى أن ينشؤوا قواعد خلقية تربط بينهم فتحيلهم إلى مجتمعات. وهم كذلك عقلاء وعقلانيتهم تجعلهم يحدثون طرقا للتعاون التلقائي بينهم.

سنكتفي الآن بهذا التلخيص لفكرة الكتاب ثم نعود لمناقشته في حلقات قادمة بإذن الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت