فهرس الكتاب

الصفحة 2034 من 2255

4.قد يقول قائل إننا نجد أمثلة لما عزوته إلى الحضارة الغربية في كل الأمم بما في ذلك الأمم الإسلامية. فما الذي يميز القيم الغربية في هذا عن غيرها؟ نقول إنه مما لا شك فيه أنه لا تكاد تخلو أمة حتى من فاحشة الشذود بعد أن سنها قوم لوط، وأن الشعور بالكبر قد يكون أيضا طابعا لأمة لا تنتمى إلى الحضارة الغربية. وأن الشرك موجود حتى بين المنتسبين إلى الإسلام. لكننا نقول أيضا إن هنالك فرقا بين أن يكون الزنا أو الشذود أو الجهر بالسوء من القول في نظر الأمة جريمة أو ذنبا يستنكره مجتمعها ويعاقب عليه قانونها، وأن يكون أمرا مقبولا لا يستنكره مجتمع ولا يعاقب عليه قانون، وإن استنكره بعض الأفراد. هذا الأخير هو ما تمتاز به القيم الغربية الآن متأثرة بتاريخها ذلك. لقد أصبح المستنكر فيها، وربما كان المعاقب عليه فيها، هو استنكار الفحش ولا سيما فاحشة الشذوذ. فهذا الكاردينال راتزنجر الذي صار البابا الحالي يشكو من أن أحد القساوسة البروتستانت سجن لمدة شهر في السويد لأنه استنكر الشذوذ الجنسي استنادا إلى حجج من كتابهم المقدس!

5.هذه العناصر ولا سيما عنصر الكبر هي التي زينت للغربيين احتلال الشعوب الأخرى واستعمارها واسترقاق بعض أهلها. لقد كانت الحركة الاستعمارية الاحتلالية حركة اشترك فيها أو شجعها أو وافق عليها قادة الثقافة الغربية كلهم إلا ما ندر. لم تكن حركة سياسية فحسب وإنما كانت حركة اشترك فيها الكتاب والشعراء والفلاسفة ورجال الدين كما بين بعض ذلك إدوارد سعيد في كتابه عن الثقافة والاستعمار.

ما العمل؟

إننا إزاء تحد كبير على ديننا وأمتنا فما ذا نحن فاعلون؟ ليس هذا بالسؤال الذي يختص بالإجابة عنه فرد واحد لأنه سؤال للأمة كلها علمائها وزعمائها وعامتها. فالإجابة التي أقترحها إنما هي جهد فرد مقل من أفراد هذه الأمة.

أرى:

أولا: أن ننأى بأنفسنا عن مشاعر الحزن والضيق والأسى فإنها مشاعر سلبية لا تحل مشكلة خارجية وإنما تنشئ مشكلات نفسية. وما أكثر ما يحذرنا كتاب ربنا من أمثال هذه المشاعر السلبية، وما أكثر ما يذكرنا علماؤنا الأفاضل بهذه المعاني القرآنية. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في معرض تعليقه على حديث"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ":

وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزعَ وكلَ وناح كما ينوح أهل المصائب. وهو منهي عن هذا. بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثباب على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى

ثانيا: أن نكون على يقين بأن مداهنة أعداء الحق ومحاولة إرضائهم بالاستجابة لمطالبهم ـ وهي مطالب قديمة ـ بتغيير هذا الدين وإعادة تفسيره بما يتناسب مع أهوائهم المعاصرة، أن هذا فوق كونه خيانة علمية فإنه لن يجدي شيئا في حل المشكلة. نعم إن الأعداء سيرضون عن كل محرف للدين بمقدار تحريفه. لكن هذا التحريف لن يزيدهم إلا شرا إذ يرون أن المسلم المحرف يقترب منهم مع أنهم ثابتون في مكانهم، فيطمعون منه ثم من غيره في قرب أكثر، ويحاولون أن يجعلوا منه وسيلة للكيد من غيره من إخوانه المسلمين. لكن القاعدة هي ما قال الله تعالى عن كل من زين له عمله أنه لن يرضى عنك رضى كاملا إلا إذا اتبعت ملته:

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ( النساء:89)

ثالثا: لماذا لا نرى في هذا الهجوم الغربي على ديننا جانبه المشرق وهو دلالته على أننا بدأنا نحيا وبدأنا نصحو إذ لو ظللنا أمواتا أو غافلين أو مغشيا علينا لما خاف منا أو اهتم بنا أحد. فعلينا أن نستمر في هذه الصحوة وأن نضاعف من حيويتنا ونشاطنا واعتزازنا بديننا واستمساكنا به، آملين أن نكون للغرب منارات هداية وقوارب نجاة.

رابعا: إن الرؤساء الغربيين يصرحون بأن الحرب على ما يسمونه بالإسلام الراديكالي حربان حرب أيدلجية يقولون إنها لكسب العقول والقلوب، وحرب سنانية تساعد على تحقيق أهداف الحرب الأيدلجية. أما نحن فما نزال منتصرين في ما أسموه بالحرب الأيدلجية. إن ديننا هو الذي يزحف نحوهم ويكسب كل يوم من عقولهم وقلوبهم، وإن أديانهم وقيمهم وأيدلجياتهم هي التي توليه الأدبار. وهذا أمر يدعونا إلى المضي لا إلى التواني في نصرة ديننا بالحجج العقلية والعلمية والمعايير الخلقية. إن مشكلتنا هي في الحرب السنانية. لقد فرطت أمتنا في الأخذب بالأسباب العصرية لاكتساب القوة التي دعاها ربها إلى إعدادها. لقد آن الأوان لأن نبذل جهودا كبيرة في اكتساب العلوم الطبيعية المرتبطة بالتقنية والمساعدة على اكتساب القوة الاقتصادية والعسكرية. ويجب أن تكون هذه الجهود على مستويين، مستوى شعبي عام ينشر مبادئ هذه العلوم بين الناس ويجعلها جزءا من ثقافتهم الشعبية، ومستوى تخصصي تتعاون فيه الدول العربية على الأقل حتى يكون لنا علماء مبرزون مكتشفون ومخترعون ومنظرون في كل المجالات المرتبطة بالتقدم التقني.

إننا لا نريد أن نكون أقوياء لنعتدي على غيرنا، وإنما لنرهب ونردع من تحدثه نفسه بالاعتداء علينا. إننا نعلم أن السلم في مصلحتنا، نعلم هذا من ديننا ومن تجاربنا، فنحن حريصون عليه واثقون بأن عاقبته خير إن شاء الله.

خامسا: بما أن الغرب ليس كله كتلة واحدة صماء معادية للإسلام، بل فيه جاهلون بهذا الدين، وفيه مغررون، وفيه منصفون مدافعون عن حقوق الناس، وفيه عقلاء يرون أنه ليس من مصلحتهم شن حروب شاملة دعائية كانت أم قتالية على الثقافات الأخرى، وفيه ... وفيه ... فيجب عند المعاملة أن لا نشمل الجميع بخطاب واحد لا يميز بين محق ومبطل، ومعتد ومنصف. إن التفرقة بين هذه الأصناف ومعاملة كل بحسب موقفه أمر يتطلبه العدل الذي يقوم عليه بنيان الدين الحق، ثم إنه سياسة مربحة تؤدي إلى نتائج أفضل.

سادسا: لكن التقدم الحقيقي لأمتنا لا يكتمل إلا بتقدم آخر لا يحتاج منا إلى جهد كبير. فكما نأخذ بوسائل عصرنا في التقدم العلمي التقني، فكذلك يجب أن نعتبر مقتضياته في الإصلاح السياسي. إننا لا نريد أن نكون أمة تابعة تترك الأصالة لغيرها ثم تقلده في كل ما رآه مناسبا له من مؤسسات ومبادئ وأسماء. نريد أن نكون أمة أصيلة تؤمن بأن كتاب ربها هو دستورها الأعلى، ثم تأخذ منه المبادئ السياسية العامة، ثم تنشئ لنفسها من المؤسسات ما يناسب تلك المبادئ من مؤسسات تتناسب مع عصرها. إن كل من له أدنى معرفة بالإسلام يعلم أن مبادئ مثل حكم القانون، والشورى، واختيار الحكام، وحرية الرأي وحقوق الإنسان التي صار الناس يربطونها بالدمقراطية هي مبادئ إسلامية بينتها النصوص وطبقها النبي وخلفاؤه الراشدون.

وإذا كان مثل هذا الإصلاح أمرا يستوجبه ديننا وتستدعيه ظروفنا، فإنه أيضا أمر لازم لتحسين صورتنا العالمية التي صارت ترتبط في أذهان الكثيرين ولا سيما في الغرب بالدكتاتورية والفيودلية والثيوغراطية ويقال عن جهل أو سوء قصد إنها من تعاليم ديننا.

* ورقة كتبت لمؤتمر تعظيم حرمات الإسلام الذي أقيم بالكويت من13 . 1. 28 إلى 5 . 1 الموافق 22. 1. 2007 إلى 24 . 1 بدعوة من مجلة البيان ومبرة الأعمال الخيرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت