فهرس الكتاب

الصفحة 2033 من 2255

الليبرالية: تقوم الليبرالية على فكرة هي في جوهرها صحيحة، فكرة تقول إن لكل فرد حقوقا لا يجوز لأحد أن يتغول عليها حاكما كان أو أغلبية مواطنين. هذه الحقوق هي في الأصل حقوق أعطاها الله تعالى لعباده كما نجد ذلك في القرآن الكريم. فلما غلب الشرك وغلبت العلمانية على الحضارة الغربية ففصلوا مفهوم هذه الحقوق عن أصله ثم لم يجدوا لها أصلا آخر يتفقون عليه إلا كونها وثيقة أجازتها الأمم المتحدة، أو وضعت في دستور بلد من البلاد. وبهذا صارت هذه الحقوق نفسها هي مما أعطاه بعض الناس لآخرين. ولما كان من أعطوها من المتأثرين بقيم الشرك والاستكبار والفحش فقد فسروا كثيرا من هذه الحقوق بحسب أهوائهم تلك فجعاوها أو أكثرها انحرافا عن الفطرة السوية. فسروها بحرية الكسب الذي لا قيود عليه فكان أن أدى إلى الرأسمالية، وكان مثلهم كمثل مدين قوم شعيب الذين اعترضوا على أوامر الله في الكسب

قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (هود:87)

ثم زعم بعضهم تمشيا مع فكرة الغرور تلك أن هذه الليبرالية مع أختها الدمقراطية (التي هي في الحقيقة متناقضة معها) هي نهاية التاريخ في مجال النظم السياسية والاقتصادية، وأن العالم كله سائر في الطريق الذي رسمته له وسارت فيه الحضارة الغربية. لكن يشكر للرجل أنه استثنى في كتابه المسلمين الذين قال إنهم ما يزالون يتصورون أن لهم بديلا هو خير من الليبرالية ومن الدمقراطية. ويشكر له ثانيا أنه تنازل عن تلك الفكرة السخيفة وإن كان السبب الذي دعاه للتنازل عنها هو أيضا سبب سخيف.

وكما فسروا الليبرالية تفسيرا جعلها تؤدي إلى الرأسمالية فقد غلوا في تفسير ماتدعو إليه من حرية وجعلوا أكبر همهم فيها حرية الفحش الجنسي الذي أدى في ما أدى إليه من إضعاف للأسرة، وانحدار عظيم في معدلات الإنجاب حتى قال قائل منهم إننا لم نعد نحتاج إلى عدو خارجي يهزمنا بل نحن الذين نهزم أنفسنا بهذا النوع من الانتحار. وحتى قال كبير من كرادلتهم:

هل تحتاج الدمقراطية إلى صناعة فحش مقدارها بليون دولار لتكون دمقراطية حقا. وهل تحتاج إلى معدل إجهاض يبلغ عشرات الملايين""

قال الكاردينال الاسترالي جورج بل هذا الكلام في محاضرة ألقاها بالولايات المتحدة يحذر فيها الغرب من أن الإسلام قد يكون هو البديل إذا لم يعدل الغرب من دمقراطيته التي وصفها بالفارغة والأنانية [6] . بيد أنه رغم وجود أصوات معارضة كهذه فقد صارت الحرية الجنسية من أهم الحريات التي يتحدث عنها الغرب إن لم تكن أهمها.

الديمقراطية: في النظام الدمقراطي كما هو مطبق في الدول الغربية ودول أخرى كالهند محاسن كثيرة ولا سيما إذا ما قورن بنظم أخرى كالنظام الذي كان سائدا في الاتحاد السوفيتي، وككثير من النظم الدكتاتورية أو شبه الدكتاتورية التي ما تزال سائدة في بعض البلاد. أعمت هذه المحاسن كثيرا من الناس عن أن أصل الدمقراطية أصل شركي يعطي بعض البشرحق التشريع لبشر آخرين مع أن هذا الحق إنما هو حق لله تعالى. ونسوا أن ما فيها من محاسن ليس بخاص بها وأن كثيرا منه ليس من لوازمها، ونسوا أنه ليس فيها محتوى خلقي وأنها لذلك لم تمنع المستمسكين بها من الإقدام باسمها على استعمار الشعوب واحتلالها واسترقاق أناس ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

العلوم الطبيعية: من المعلوم أن أحسن ما في الحضارة الغربية هو تقدمها الهائل في مجال العلوم الطبيعية وما بني عليها من تقنية كانت هي سبب قوتهم الاقتصادية والعسكرية ووسيلتهم إلى استعمار كثير من بلدان العالم واحتلالها.

ليس في هذه العلوم نفسها ما يجعلها متناقضة مع عقيدة التوحيد أو يدعو إلى فحش أو استكبار، لكن الغربيين ربطوا بينها وبين كل ذلك بسبب قيمهم تلك المنحرفة:

1.غرتهم معرفتهم بالسنن التي أودعها الله تعالى في ما أسموه بالطبيعة، ومعرفتهم لذلك بأسباب كثير من المسببات فصار الغالب عليهم فصل هذا العلم عن الدين، واعتبار الطبيعة كونا مكتفيا بنفسه تفسر ظواهره الطبيعية بظواهر أخرى أخرى طبيعية ولا يجوز تفسيرها بأسباب خارجة عن هذا الكون، حتى صار هذا التفسير الإلحادي جزءا من مفهوم العلم كما قلت ذلك في عدة مناسبات وكتابات.

2.وغلا بعضهم فصار يعتقد أنه لا حق إلا ذلك الذي يأتي عن طريق منهج هذه العلوم فأغراهم هذا بإنكار كل ما جاءت به الأديان اعتمادا على الوحي الإلهي.

3.بل إن بعضهم صار يستغل هذه العلوم لتأييد الميل إلى الفواحش التي منها فاحشة الشذود وقالوا إنها عند بعض الناس شيء فطري موجود في"جيناتهم".

4.ثم ارتبط هذا التطور العلمي بالغرور الأوربي إذ اعتقدوا أنهم إنما سبقوا غيرهم فيه بسبب عقلانيتهم التي ورثوها عن اليونان، وأن غيرهم لم ينجز ما أنجزوا لأنهم ذوو تفكير خرافي.

5.وقد زاد من فتنتهم بهذا تخلف المسلمين في هذه المجالات، تخلفا بدؤوا يعزونه إلى الدين الإسلامي ويقول بمثل قولهم فيه بعض المرتدين من المنتسبين إليه.

طبيعة القيم الغربية

كيف صارت تلك المصادر والمكونات المتنافرة شيئا واحدا يسمى بالقيم أو الثقافة الغربية؟

1.صارت كذلك أولا لسبب ذكرناه سابقا وهو كونها كلها جزءا من تاريخهم الذي ما يزالون يدرسونه في مدارسهم وجامعاتهم، والذي ما يزالون يكتبون عنه ويتأثرون به.

2.وصارت كذلك لأنه ما من مكون من مكوناتها إلا وله أنصار كبار من المفكرين أو من الجماعات أو الأحزاب.

وصارت كذلك لأن العلمانية وهي امتداد للشرك الموجود في كل تلك العناصر التي ذكرناها قد صارت هي الثقافة الطاغية التي يعاد تفسير العناصر الأخرى ـ بما فيها العناصر الدينية ــ لجعلها موافقة لها أو متسامحة معها .

وصارت هذه الأديان تمدح ويتسامح معها بقدر تصالحها مع العلمانية وخدمتها لها. فها هو الفيلسوف الألماني الشهير هابرماس المعروف بعلمانيته يقول:

النصرانية لا غيرها هي الأساس النهائي للحرية والضمير وحقوق الإنسان والدمقراطية ــ وهذه هي أهم معايير الحضارة الغربية [7]

وقبل قرن كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فبر كتابه الشهير عن الأخلاق البروتستانية وروح الرأسمالية.

والنصارى بدورهم جعلوا يفسرون الدين تفسيرا يتوافق مع أهواء عصرهم. فأكثر كتابهم اليوم لا ينكرون الشذوذ ويفسرون قصة قوم لوط وما حصل لميدينتهم سودوم إما بأنها قصة رمزية، أو أن الذين أنكروا هذا الفعل من كتاب البايبل كانوا متأثرين بثقافة عصرهم.

3.ولأن الفكر العلماني وما يستتبعه من قيم صار هو الفكر الطاغي الذي يمثل الإطار العام للثقافة الغربية وقيمها أضحت الخلافات خلافات في داخل هذا الإطار فلم تعد ذات خطر. ولذلك نجد الملحد والنصراني أستاذين في كلية واحدة، ونجد الشاذ وغير الشاذ جنديين في جيش واحد وصار النساء كلهن يتبعن في مظهرا واحدا وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت