فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 2255

ولعل ما غر أمريكا هو نجاحها في تصدير ثقافتها عبر السيف والبندقية والقنبلة النووية في بلدان قهرتها عسكريًا وتفوقت عليها حضاريًا كما في حالها مع اليابان مثلًا، فما أن أُلقيت القنابل النووية، حتى أعلنت البلاد الصفراء الاستسلام والخنوع الكامل بغير مقاومة تذكر وإلى اليوم، وهنا ظنت أمريكا أن مقوم نصرها هو التفوق العسكري وما حسبت أن سر نجاحها هو في تفوقها الحضاري الذي كفل لها البقاء في اليابان بعد مغادرتها!

وكل هذا يظهر أن السيف في الماضي أو الدبابة فما فوقها اليوم آلات، مهمتها فسح المجال لولوج الحضارة وتنوير الناس بها، فإذا كانت تلك الحضارة بمفهومها الشامل الذي ينظر إلى الطبيعة وما ورائها لا توازي في معتقداتها وتعاليمها وقيمها ومبادئها وأخلاقها ما كان عليه المُتَغَلَّب عليهم بحد السيف أو فوهة البندقية، فجدير بحضارة المُتَغَلِّب أن تزول متى رفع حد السيف أو كُسر، وهذا ما ينبغي لأهل الإسلام السعي في التعجيل به ماداموا يعتقدون بأنه لصلاح للإنسانية في دنياهم وآخرتهم إلاّ بحضارة الإسلام ومنهجه.

وهذا ما يفسر إنكسار الدول والحكومات الإسلامية دون انكسار الشعوب التي تبقى مقاومتها للحضارة الدون باقية مادام دين الإسلام باق في بنيها وهذا كله إذا لم تكن للمتغلب الظاهر مآرب أخرى ظاهرة غير تصدير حضارته!

وإذا فهم ما سبق فإنه يسرنا أن تصدر إلينا حضارة غربية أو شرقية على ظهر دبابة أو متن مروحية شريطة أن تثبت أنها الأصلح والأنفع وهيهات هيهات. وعليه فإن مصيرها ولابد إلى الزوال والاضمحلال بمجرد اختلال موازين القوى ولو بعد أجيال.

كما لا يسؤونا تصدير تلك الحضارة إلى من بها قوام حياتهم إن كان لابد من ترحيلها عبر ظهور المجنزرات والآلات الحربية، ولاسيما إن كانت تلك الحضارة المنقولة أدعى للقبول من قِبَل تلك الشعوب وحينها يكون تحريرهم من الأنظمة الحائلة بينهم وبينها مهمة مقدسة نبيلة.

ولكننا لا نرضى بحال أن يعتدي متكبر جبار على قوم لينهب خيراتهم، ويخضعهم لمصالحه وأهوائه، ونرى أن جرمه يتضاعف إذا فعله تحت شعار تصدير الحضارة أو الحرية.

إن أهل الإسلام يرفضون كل دعوى جوفاء بتصدير الحرية أو رغد الحياة من أناس يتفنن جندهم في ابتذال وإهانة من أرسلوا إليهم ومقدساتهم، فكيف ينقل الحرية أو يبعث الأمل من يعد الشذوذ والتعذيب والتدنيس للمقدسات من الحرية، أو -على الأقل- أثبتت وقائعه أن رسله لا يفهمون معنى الحضارة ولا الحرية!

(1) والذي يقول عن نفسه:"كنت أسمى في صباي المجنون لحركاتي غير المألوفة! وفي شبابي الطائش لنزعاتي إلى الطرب! وفي كهولتي الجريء لمقاومتي الاستبداد! وفي شيخوختي الزنديق لمجاهرتي بآرائي الفلسفية!"

الإنسان بين العبادة والحضارة

د. نعمان عبد الرزاق السامرائي

حضرت ندوة حول (المشاكل التربوية) في عالمنا المعاصر، وقد وجدت الانقسام واضحًا، فهذا يركز على الفرد، وذاك على المدرسة، وثالث على الإعلام، ورابع على الوضع السياسي، وخامس على الاستعمار، وسادس على الشيطان...

كما وجدت البعض يقول بأن الحل معرفة العلوم الشرعية، وينادي آخر بتعلم العلوم كافة وهكذا.

وأريد أن أطرح سؤالًا ثم أنطلق منه؛ إذ من المعروف أن الإنسان (مخلوق ثقافي غائي) ، فهو منذ نعومة أظفاره يتساءل لماذا نفضل كذا؟ لماذا نترك كذا؟.

والسؤال: لماذا خُلق الإنسان؟

1-هل صحيح ما قاله (ماركس) إن المبدأ الذي يحكم جميع العلاقات بين البشر هو إنتاج الوسائل التي يحددون حياتهم، وبعد ذلك يأتي تبادل ما أنتجوا، وأن الإنسان يعيش أولًا ثم يفكر بعد ذلك.

والذي أريده (تحديدًا) هل هذه النظرية كاشفة لواقع أم مقررة لحقيقة ابتداءً؟ ؟ بمعنى آخر: هل نظر ماركس للإنسان في الغرب فوجده كذلك، أم هي حقيقة توصِّل إليها عن طريق البحث والاستقصاء؟ والأمر الآخر: لنفرض أن الإنسان إذا جاع أو عطش استبد به ذلك بحيث صار كل همه أن يصل إلى الطعام أو الشراب، ولكن بعد أن يأكل أو يشرب ماذا يفعل؟ هل يبحث عن قضايا واهتمامات جديدة أم يبقى محصورًا في دائرة (الإنتاج وتبادل ما أنتج) ؟ في العالم الرأسمالي الذي رآه - (ماركس) وعايشه - كان الإنسان والدولة والمجتمع إلى حد كبير مشغولًا بالإنتاج وتوزيعه، حتى قال نيتشه: (اجمع اجمع ذلكم هو الشريعة والقانون) أي اجمع المال فذلكم هو الهدف، من هنا صار (رأس المال) دينًا جديدًا، حتى قال برنارد شو الفيلسوف الساخر: (إن الشعب البريطاني يعبد الله يومًا في الأسبوع) ويعبد (بنك باركليز) ستة أيام!.

ومن هنا جاءت قناعة (ماركس) ، فهي مأخوذة من الواقع متأثرة به، ولكن تلاميذ (بني التلمود) ينكرون ذلك ويعطون أفكار الرجل الشمولية، علمًا بأن ماركس يرى أن الواقع ينطبع في ذهن الإنسان فتتحول الفكرة إلى مجرد صدى للواقع ليس إلا، وهكذا كانت أفكار ماركس صدى لما رآه وعاشه من تكالب استعماري وتطاحن حول ثروات الشعوب ونهبها.

2-هل نذهب مع سارتر فيلسوف الوجودية في عبثيته إذ يقول:(إنهم يكتشفون في وقت واحد، أن كل الأفعال الإنسانية سواء - وأنها بحتمية مبدئية - محكوم عليها بالفشل...

وهكذا يستوي آخر الأمر أن أثمل بالشراب في وحدتي أو أن أقود الشعوب).

أما صاحبته (سيمون دوبوفوار) فتشرح هذه الفكرة بقولها: افعلْ ما ينبغي لك وليكن ما يكون!.

فهل الحياة مسرح لتمثيلية (عبثية) لا يعرف الكاتب ولا المشاهد الهدف منها؟.

3-هل نقول بأن الإنسان حيوان قد سبق (إخوانه) وهو لم يبتعد كثيرًا عن الحيوانية في أهدافه وغاياته، فهو يأكل ويتناسل ثم يموت ولا شيء بعد ذلك ولا فوق ذلك؟ إن الإنسان مخلوق غائي، خُلق لتحقيق أهداف كبرى يمكن ردها إلى: 1- عبادة الله - تعالى - كما أمر دون شرك، والعبادة - كما هو معلوم - تطلق بإطلاقين: فمَن يشتغل في بحث علمي أو رياضي أو أي عمل دنيوي يقصد به وجه الله فهو في سبيل الله.

2-العبادة بمعناها الخاص من صلاة وصيام وزكاة، وهذه أساسها النص الصريح، وهي غير قابلة للتصرف بالزيادة أو النقص، أو التوجه لغير وجه الله (تعالى) .

-عمارة الأرض: فقد ذكر الله - تعالى - في سورة هود (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61] ؛ فعمارة الأرض - كما يسميها ابن خلدون - هي إقامة الحضارة، وهي من مهمات الإنسان الأساسية الكبرى، وقد قام بها الإنسان جيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة، وكلما تعبت أمة تلقت الراية أمة فتية، وتجد تضافرت جهود الأمم، وراح اللاحق يبني على جهود سلفه ويزيد ويطور.

فمَن أراد العمران فعليه أن يتعلم علوم عصره كلها، حتى قال علماؤنا في (فروض الكفاية) أن الأمة كلها تصير آثمة إذا وجدت صنعة أو علم وليس في الأمة من يعرفه أو يمارسه.

أما العبادة - بالمعنى الخاص - فعلى صاحبها تحري النص الصحيح والاتباع والبعد عن الغلو والابتداع، فإن فعل ذلك فقد حقق الأهداف التي من أجلها خلق وفاز في الدنيا والآخرة وذلك هو الفوز العظيم.

وللشهيد سيد قطب كلمة يقول فيها [1] (...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت