لقد غابت الأمة المسلمة عن الوجود وعن الشهود دهرًا طويلًا، وقد تولت قيادة البشرية أفكار وأمم أخرى وتصورات أخرى، وأوضاع أخرى فترة طويلة، وقد أبدعت العبقرية الأوربية في هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي، وهو رصيد ضخم تقف البشرية على، ولا تفرط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة، وبخاصة أن العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلًا من كل هذه الزينة...
إن هذه الأمة لا تملك الآن وليس مطلوبًا منها - أن تقدم للبشرية تفوقًا خارقًا في الإبداع المادي، تحني له الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية فالعبقرية الأوربية سبقته في هذا المضمار سبقًا واسعًا، وليس من المنتظر - خلال قرون على الأقل-التفوق المادي عليها، فلابد من مؤهل آخر، المؤهل الذي تفقده هذه الحضارة.
إن هذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا ولكن لا بوصفه المؤهل الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة، وإنما بوصفه (ضرورة ذاتية) لوجودنا كذلك بوصفه واجبًا يفرضه علينا (التصور الإسلامي) الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض ويجعلها تحت شروط خاصة عبادة لله وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني، لابد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية غير الإبداع المادي ولن يكون هذا المؤهل سوى (العقيدة) والمنهج الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج العبقرية المادية، تحت إشراف العقيدة والمنهج في تجمع إنساني، أي في مجتمع مسلم).
ربما كان هذا الطرح المتوازن للقضية هو خير الطروحات، فلا نأخذ الحضارة الغربية ومفرزاتها كلها كما دعا بعض الأتراك وطه حسين ولا نرفضها كلها ونستغني عنها ولكن نأخذ بقدر ونطرح بقدر عارفين ما نحتاج وما لا نحتاج.
نحن وهذه الأهداف:
لقد مررنا بعدة مواقف من هذين الهدفين (العبادة والعمارة) يمكن تفصيلها على الوجه التالي: 1- في الجاهلية لم نكن نعبد الله ولا نساهم في الحضارة باستثناء ما قدمه أهل اليمن ومصر والعراق، من مساهمات معمارية.
2-في الإسلام عبدنا الله حق العبادة ثم رحنا نساهم في بناء الحضارة حتى حملنا الراية بجد وجدارة، وراح العالم يقتبس منا وينقل عنا وقد شكا قسس ورهبان مر الشكوى من تعلُّم أبنائهم في الغرب لغتنا وعلومنا.
3-بعد قرون اكتفينا بالعبادة وأهملنا الحضارة، وساهم التصوف والنكبات السياسية وغيرها في هذا التوجه، ثم مع الأيام دخل العبادة الكثير من الدَّخَن، حتى لا نجد مسجدًا كبيرًا يخلو من قبور، وشاعت زيارة القبور والتبرك بها ودعوة أصحابها وطلب شفاعتهم، وهكذا صرنا مبتدعين في العبادة مقلدين في الحضارة، وكان المطلوب العكس (الاتباع في العبادة والإبداع في الحضارة) .
4-لقد أهملنا الحضارة حتى لم تعد من بين همومنا ولا من تطلعاتنا.
وضاقت دائرة العلم وراحت معاهدنا تضيق يومًا بعد يوم من العلوم المفيدة، والتي خلت من الإبداع، تخلو من الجدة وتبعد عن الحياة.
5-أعقب ذلك مرحلة أهملنا حتى العبادة، فصار الفرد منا بعيدًا عن معانيها (الواسعة والضيقة) ويكتفي أن يقال عنه إنه مسلم دون أن يتكلف شيئًا، وساعد على ذلك رواج فكر (المرجئة) حتى صار جمهور الأمة منها دون أن يدعوه أحد، فكل مسلم يدَّعي أنه عامر القلب بالإيمان، وهذا في نظره يكفي، وقد يفلسف الأمر فيدعي طهارة القلب وعفة اللسان، وإنه أفضل من كثير ممن يمارس العبادة.
إن الأمة إذا كانت قوية تطلعت إلى الأمور الكبيرة، فإذا ضعفت تحاول فلسفة ضعفها وهزائمها؛ لذا كانت أفكار (المرجئة) والمتصوفة أفضل فلسفة تناسب هذه المرحلة.
6-أخيرًا وبعد الصحوة الإسلامية رجعنا للعبادة مرة ثانية، ولكن مازال جمهور الأمة غائبًا عن الاهتمام بأمر الحضارة.
فليس من الحضارة أن تركب سيارة لا تعرف عنها سوى القيادة، وليس من الحضارة أن تأكل فواكه أمريكا وأوربا، ولكن أن تساهم في علوم العالم وصناعته، وعلى رأس كل ذلك أن تساهم في تقديم فكر متميز، لا يكون عالة على أحد ولا تبعًا لأحد.
يرى الكاتب مالك بن نبي - رحمه الله - [2] أن لكل حضارة منتجاتها، فهي متولدة عنها، ولكن لا يمكن صنع حضارة بمجرد تبني منتجاتها، فشراء ما تنتجه الحضارة الغربية من كل دول العالم لم يجعلها تكسب حضارة، فشراء المنتجات هو كسب وتحصيل للهيكل والجسد وليس للروح، والحضارة ليست تكديس منتجات بل هي فكر ومُثُل وقيم لابد من كسبها أو إنتاجها.
والأنكى من ذلك أن أمراض الحضارة يمكن أن تضرب أولئك الذين يتعاملون معها في الأخذ والاقتباس، فتطحنهم أمراضها قبل أن تصلهم خيراتها.
ومن لا يصدق ذلك فما عليه الا أن يزور إفريقية ليرى مصداق ذلك في أمراض الجنس وتعاطي الخمور والمخدرات، وعدم وصول شيء من حضارة الغرب إليهم.
7-قد يقول البعض إنه يريد الآخرة، ويكفيه في ذلك العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة..
والجواب: نعم، قد يصل المسلم الجنة عن هذا الطريق، لكنه لن يكون له نصيب في الدنيا ولا في الحضارة، أو نصيب هامشي لا قيمة له وبالمثل فإن الإنسان في الغرب يشكل الوجه الثاني (للعملة) فهو لا يعرف الله - تعالى - وإن عرفه فهو يفصل بينه وبين الحياة فالإنسان في الغرب جعل دينه (الحضارة) كما جعلها كل شيء في حياته، وقد قفز بها قفزات كبيرة، ولن يستطيع أحد تجاوز ذلك، أو جحوده، ولن تفرط البشرية في منجزاتها الحضارية، وأن حضارة اليوم تطلق قوى كالذرة قد تكون سببًا في دمار الحضارة والقضاء عليها، وما تلوث البيئة، والخراب الذي لحق بمفاعل (تشرنوبيل) وانتشار الأمراض إلا ثمرة من ثمار هذه الحضارة إلى جانب المنجزات الكثيرة.
8-تبقى ألوف الملايين من البشر تدب على هذه الأرض لا تعرف الله - تعالى -ولا تعبده، ولا تساهم في الحضارة من قريب أو من بعيد، وفيهم وفي أمثالهم يصدق قول الله - تعالى - (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ) [الأعراف: 179] وأقبح من الكل تلك الملايين من البشر التي تعجز حتى عن إطعام نفسها، وتطالب الآخرين أن يطعموها ويداووها ويبنوا لها المساكن.
في العالم اليوم ملايين من الكسالى ليس لديهم الاستعداد لعمل شيء، حتى الخبز تريده مبلولًا وربما مدهونًا وعليه سكر.
والأمة الإسلامية مدعوة بكل جد وقوة لعبادة الله كما أمر، وعدم الشرك مهما صغر، وكذلك المساهمة في الحضارة دون أن تفلسف كسلها وعجزها وتخلفها.
إن العالم يموج بالأقوياء، ومَن لا يكون قويًا بفكره واستقلاله فإنه يعيش على الهامش، كما تعيش بعض القوارض، وستظل الدنيا محكومة بالأقوى فكرًا وإنتاجًا وتحضرًا، ولن يكون فيه مكان للكسالى المتواكلين، ولن يجدوا (خبزًا مبلولًا) ولا سكنًا جاهزًا ولا قبرًا جاهزًا.
(1) معالم في الطريق، ص8، طبعة10.
(2) شروط النهضة، ص42.
التربية الإسلامية ضرورة حضارية
محمد الإدريسي بخات
لا شك أن التربية الإسلامية هي أساس التغيير بل هي الحل الوحيد للإنسان المسلم من أجل سعادته دنيا وأخرى.