(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) . [الأعراف:32] .
إن المحرَّم والمرفوض في الإسلام هو الفاحشة، أيًا كان مصدرها: الجسد أم الروح، وليس ثمة رفض أو تحريم أو احتقار موجّه ابتداء إلى الجسد بما أنه جسد، وإلى غرائزه وحاجاته بما أنها غرائز وحاجات تقف في طريق الروح!! إننا نقرأ في الآية التي تلي ذلك ـ وهذا الارتباط بين الآيات الثلاث يحمل مغزاه الواضح ـ نقرأ:
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) . [الأعراف:33] .
وما أكثر الآيات التي تستنكر على بعض أتباع الديانات المنحرفة السابقة تحريمهم الكثير من الطيبات التي أحلها الله، وما أكثر الآيات التي تدعو الإنسان إلى استغلال الطيبات دون إفراط أو تفريط.. وإلاّ لِمَ كان خلق الله سبحانه لها، وتفجير خيراتها وتنويعها في أنحاء الأرض؟
( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ …) . [آل عمران:93] .
(قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا) . [الأنعام:150] .
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ...) . [يونس:59] .
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) . [الأنعام:141] .
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) . [الأنعام:148] .
(لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) . [النحل:35] .
إن الآيتين الأخيرتين تضعان التحريم الاعتباطي جنبًا إلى جنب مع الشرك بالله، وتنعى على أولئك الذين يمارسون هذا التحريف بشأن الحقائق الكونية وبحق أنفسهم على السواء، قائلين: إن هذا قدر لا مفر لهم منه.. إن كبت الغرائز هو تزوير للموقف الإنساني في الأرض، والشرك بالله هو أخطر تزوير، ومن ثم كانت الممارسة البشرية التي تعتمد التزوير مرفوضة في القرآن مهما صغر حجمها أو كبر.
بل إننا نجد في الآية التي تقول:
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) . [النساء:16] .
إن كبت بعض جوانب الغريزة، أو الحد من إشباعها القائم على ضرورة التنويع يجيء بمثابة"عقاب"وليس ـ كما قد يتصور بعضهم ـ قاعدة من قواعد الدين.. على العكس، إن إحدى كبريات البداهات الدينية التي نتعلمها من القرآن الكريم، أن الحلال هو القاعدة العريضة في ميادين الإشباع الغريزي جميعًا: طعامًا وشرابًا وجنسًا ومسكنًا وملبسًا، وأن التحريم مسألة"استثنائية"محدودة المساحة، ضيّقتها، حتى إن القرآن ليعتبر توسيعها بشكل اعتباطي كفرًا وافتراء على الله:
(وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) . [الأنعام:140] .
(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) . [النحل:116] .
ويحذر المؤمنين من هذا السلوك المنحرف المعارض لطبيعة التركيب البشري الذي صاغه الله وعجنه، وهو أدرى به:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) . [المائدة:87] .
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) . [التحريم:1] .
ويبين لهم أن إحدى مهام الأنبياء الأساسية، أن يجيئوا ـ دائمًا ـ لكي يعيدوا الأمور إلى نصابها، ويقفوا بمواجهة التزوير.. وهنا في مجال التجربة الغريزية، يجيئون لكي يفتحوا الطريق العريض أمام متطلباتها مرة أخرى لكي يمضي الإنسان المؤمن إلى أهدافه الروحية دون أن تعيقه الضرورات:
(وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) . [آل عمران:50] .
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) . [الأعراف:157] .
إن نداء يطرحه القرآن لبني آدم في مواضع كثيرة: (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا) .
[البقرة:168] ، يقودنا إلى بديهية أخرى، كثيرًا ما غفلنا عنها، لشدة ظهورها ووضوحها.
إن الله سبحانه قد"سخر"لنا الأرض بما ينسجم وتركيبنا الآدمي من أجل أن نواصل مسيرتنا لأعمار العالم وعبادة الله وحده، وإنه لمن التناقض المكشوف، المرفوض في القرآن قطعًا، أن يُركّب الإنسان ـ من قبل خالقه ـ تركيبًا معينًا، وأن تُسخّر الأرض ـ بإرادة الله ـ لتلبية متطلبات هذا التركيب، ثم تجيء الأديان ـ من عند الله أيضًا ـ لكي تنصب الحواجز وتضع الأسلاك الشائكة بين متطلبات التركيب الآدمي وبين خيرات الأرض ومنافعها المسخرة.
إن هذا التناقض إنما يجيء على أيدي طبقات"رجال الدين"التي يقوم دورها على
التزييف، ووضع الحواجز، ونصب العراقيل في دروب المؤمنين من أجل أن تضطرهم للجوء إليها، وطلب معونتها، قبل السماح لها بالذهاب إلى الله سبحانه.. وهنالك يبدأ الاستغلال والابتزاز والأكل بآيات الله ثمنًا قليلًا. وقد قطع الإسلام الطريق على بروز طبقات محترفة
كهذه، ومن ثم فليس ثمة مسوّغ لإطالة الحديث عن تزوير كهذا يقف بمواجهة إرادة الله في تحقيق الانسجام والوفاق بين الإنسان والعالم.
وما يُقال عن حاجة الإنسان إلى الطعام يمكن أن يُقال عن حاجاته الأخرى، سواء بسواء. ولقد وقفنا قليلًا عند المسألة الأولى لكي تبدو بمثابة معيار موضوعي مستمد من القرآن الكريم مباشرة، تُقاس به مواقف الإسلام من سائر الحاجات الحيوية للإنسان
المنهج المعكوس
أ. د. عماد الدين خليل 19/7/1427
سيقف هذا المقال قليلًا لمناقشة المنهج المعكوس الذي يعتمده بعض الباحثين (1) في دراسة الحضارة الإسلامية، والذي يبدأ من الحديث عن اقتباسات المسلمين عن الآخرين، ثم يستنتج ، أو يوحي، بأن الحضارة الإسلامية لا تعدو أن تكون مجموعة من قطع الغيار استعيرت من الحضارات والثقافات الأخرى، وشُكّلت بها حضارة الإسلام، وكأن المسلمين خرجوا من جزيرتهم لا يحملون بذرة التحضر، أو أي شيء يمت إليها بصلة.
والخطأ الذي يقوم عليه هذا الافتراض هو أن أولئك الباحثين يغفلون حقيقة في غاية الأهمية وهي أن المسلمين خرجوا وهم يحملون رؤية جديدة قديرة إذا انصبت على الحضارات الأخرى، أن تصنع حضارة متميزة أصيلة، تعرف كيف تفيد من"الآخر"، ولكن بعد أن تخضع عناصر الأخذ للرؤية المتفردة بمواصفاتها الإيجابية التي لم تجتمع بهذا القدر من الغنى والتوافق في أي حضارة أخرى على الإطلاق.