فهرس الكتاب

الصفحة 1745 من 2255

ولأن توسيع نطاق المناشط والأهداف البشرية، وتنويعها، وربطها بآفاق أرقى وأشرف وأكثر سموًا يعطي الحياة قيمتها الحقيقية، ويمكن الإنسان من تأدية مهمة الاستخلاف الأرضي بحالة من التوازن الذي يحميها من الالتصاق الساكن بالأرض، ويمنعها كذلك من التهويم السلبي في سماوات الروح:

(ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد * الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) . [آل عمران:14 ـ 17]

إننا نستطيع أن نتلمس بوضوح موقف القرآن الكريم إزاء الجانب المادي ـ الجسدي

عمومًا، من خلال حشد كبير من سوره ومقاطعه وآياته .. إن أي حديث عن الكون والطبيعة والعالم، وتسخير السماوات والأرض، ومسائل الرزق والكسب والسعي، وأمور الغرائز والدوافع الجسدية، والدعوات المستمرة للتنقيب عن أسرار الطبيعة لصالح الموقف البشري على الأرض، ولأداء مهمته كخليفة جاء لأعمار العالم، ونداءات التسلح واعتماد القوة المادية ـ إلى جانب القوى الروحيةـ لصد العدوان، أو لتنفيذ متطلبات حركة الجهاد الدائمة، وتنظيمات الحياة اليومية المتشعبة، وغيره كثير، تأكيد واضح تمامًا للأهمية التي يوليها القرآن الكريم للجانب المادي، إلاّ أنه يضع دائمًا في صميم هذه العلاقات والممارسات، ولا نقول بمواجهتها؛ إذ إن الرؤية الإسلامية ترفض الثنائية والازدواج، يضع قضايا الروح والقيم والأهداف البشرية العليا التي تحفظ توازن الموقف البشري في الأرض، وتمكنه من أداء مهمة الاستخلاف التي أُنيطت به ..

وفي مقابل"حركة التوازن"هذه التي يؤكدها الإسلام، ويدعو المؤمنين إلى التشبث بها، والتحرك وفق مقاييسها الموضوعية العادلة.. تبدو أي تجربة بشرية تجنح باتجاه المادية، مهملة الروح، أو تتشبث بالروحية مهملة المتطلبات المادية، شذوذًا وانحرافًا؛ لأنها تزوير وتزييف للموقف البشري في العالم، وقسر لتجربة الإنسان الفردية والجماعية، على التشكل فيما يأباه تكوينها الأساسي القائم على التداخل والتكامل والتوازن بين قيم الروح وقيم المادة على السواء؛ ولن تكون نتيجة هذا الانحراف الذي يأخذ في الحالة الأولى اتجاهًا ماديًا صرفًا، أو علمانيًا يفصل بين شؤون الدين والدنيا .. ويأخذ في الحالة الثانية اتجاهًا رهبانيًا هروبيًا يرفض الدخول في قلب العالم لتغييره بما ينسجم ومهمة الإنسان في الأرض .. لن تكون نتيجة هذا الانحراف إلا تمزيق الذات الإنسانية على المستوى الفردي والنفسي، الأمر الذي ينعكس على طبيعة النشاط الاجتماعي، فيصيبه هو الآخر بالتمزق، والتشتت، والازدواج، وفقدان الهدف، وانتشار الإحساس المدمر بالعبثية، وباللاجدوى، وسيادة نزعة التشاؤم والانشقاق .. وهي مسائل تبلغ ـ بتصاعدها المستمر ـ درجة من الحدة تجعل الفعل الحضاري عاجزًا عن الإبداع والإنجاز، وتقوده إلى التدهور والانهيار والسقوط

9 ـ التناغم والوفاق مع الطبيعة والعالم والكون ..

ومبدأ التوازن الذي ورد في المقال السابق ينقلنا إلى ملمح آخر لا يقل أهمية .. إن الإسلام في تصوره للعلاقة بين الإنسان والعالم يرسم خطًا جديدًا .. خطًا يقوم على الوئام والانسجام، والتكامل والوفاق، والتجانس والالتحام بين الإنسان والطبيعة، بين الجماعة المؤمنة والعالم.. فما دامت قوى الطبيعة وطاقاتها قد سُخّرت أساسًا لخدمة الإنسان ومساعدته على الرقي الحضاري وإعمار العالم، فإن العلاقة بينهما ليست ـ بالضرورة ـ علاقة قتال وصراع وغزو وبغضاء.. إنما علاقة انسجام وتقابل، وتواصل وتعاون، وتكامل وكشف وتنقيب.. إنها علاقة الخادم المطيع بالسيد القدير.. إنه في هذه الحالة لا يصطرع مع خادمه، أو يستفزه، أو يرفع السلاح في وجهه .. إنما"يستخدمه"بحصافة وذكاء لتأدية واجباته جميعًا في أجواء تسودها علائق الطاعة والمحبة والإبداع.

إن الصراع بين الإنسان والعالم نظرة غريبة صرفة، وهي مهما وُضعت في أطر فلسفات شاملة تبدو للوهلة الأولى منطقية ومسوّغة، فإننا بمجرد التوغل في دقائقها ومنحنياتها، سنعثر على منطق الصراع الذي تقوم عليه معطياتها.. صراعًا يضعه"هيغل"في عالم الفكر، ويسوّغ به أي جريمة شوفينية يمارسها شعب أوروبي متفوق لاستعباد وقتل الشعوب المستضعفة، ويضعه"ماركس"في ميدان التبدّلات المادية ليسوّغ به أي مذبحة تمارسها طبقة ضد طبقة.. أكثر من هذا، إنه يجرّد الإنسان، في قلب هذا الصراع والتغيير المادي، من حريته وإرادته، ويجعله تابعًا مطيعًا لمنطق الصراع المادي هذا، يأتمر بأمره، ويتشكل بقواعده حتى في أشد ممارساته بعدًا عن المادية: الدين والفن والعواطف والأخلاق والمطامح والرؤى..

إن التصور الإسلامي، على العكس من هذا كله، يمنحنا معادلة حيوية ومنطقية لا خلل فيها ولا اضطراب.. إننا ما دمنا قد خُلقنا وفق هذه الصيغة التي تشتبك فيها قوى الروح والمادة، فإن لنا أن ننطلق في نشاطاتنا وممارساتنا من نقطة التوازن التي لا تجنح ولا تنحرف ولا تميل.. التوازن الذي ينتفي فيه الصراع، ويتحوّل الجهد الإنساني الدائم إلى سعي خلاّق من أجل التوحد والتكامل والانسجام.. وإنه ما دامت قوى العالم ـ من جهة أخرى ـ قد سُخّرت لمهمتنا الأرضية تسخيرًا، فإن علاقتنا بها ليست أبدًا علاقة صراع وتناقض واقتتال.. إنما هي محاولة الكشف والتنقيب والاندماج للوصول إلى أكبر قدر ممكن من التفاهم بين الإنسان وبين العالم، بعد الكشف عن سننه ونواميسه الطبيعية.

إن اكتشاف الفضاء في المنظور الإسلامي ليس"غزوًا"كما يراه الغربيون، ولكنه فهم وتوغّل ووفاق.. إن القمر ليس خصمًا يُغزى، ولكنه خادم مطيع ينادى فيلبي النداء.

10 ـ الميزة التحريرية ..

لقد كان الإسلام، منذ اللحظة الأولى، عملًا تحريريًا.. وعلى المستويات كافة.. ففي النقلة التصورية ـ الاعتقادية التي نفذها هذا الدين، حرر الإنسان من الضلالات والأوهام والطواغيت والأرباب .. وفي نقلته الأخرى .. النقلة المعرفية.. مارس تحريره من الخوف والجهل والأمية .. أما نقلته المنهجية فكانت باتجاه تحرير الإنسان المسلم من الخضوع للفوضى، والانحناء للصدفة العمياء، وتبصيره بقوانين العمل والحركة التي يسير الكون والعالم والتاريخ بموجبها.

ونريد عبر المقاطع التالية أن نتوغل أكثر في هذه الميزة"التحريرية"التي تصبغ حضارة الإسلام وتتشابك مع نسيجها.. فنضع أيدينا على دعوة ملحة لتحرير رغبات الإنسان وأشواقه الجسدية والروحية، وفتح الطريق أمام دوافعه وحاجاته ومنازعه!! وهذا التوجّه يمثل امتدادًا، ولا ريب لرؤية الإسلام التوازنية الأصيلة التي مرت بنا خطوطها العريضة في مقال سابق.

إن إحدى الآيات القرآنية تتحدث بصراحة عن"الزينة"، آمرة بني آدم أن يمارسوها،

وأين؟ عند كل مسجد، حيث يؤدي الإنسان غاية تجربته في التجرد والانسلاخ عن زخرف الحياة الدنيا:

((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .. تعقب ذلك دعوة صريحة ـ أيضًا ـ إلى الأكل والشرب شرط ألاّ يبلغ ذلك حد الإسراف:

(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) . [الأعراف:31] .

ثم لا تلبث الآية التي تليها أن تتساءل بصيغة استنكارية واضحة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت