فهرس الكتاب

الصفحة 1979 من 2255

ويمكن لنا إذا تجاوزنا جهود علمائنا الأقدمين في تدوين السنة ووضع ضوابط النقل الثقافي، وقواعد الجرح والتعديل، وتأصيل علم مصطلح الحديث الذي حفظ لنا السنّة إلى جانب بعض الدراسات الجادة في هذا الموضوع، فإننا لا نكاد نرى شيئًا يذكر، فقد اقتصر عمل معظم المشتغلين بالحديث والسنة عندنا على تحقيق بعض الأحاديث، تضعيفًا أو تقوية لإثبات حكم فقهي أو إبطاله، أو إثبات سنّة ومواجهة بدعة، وهذا العمل على أهميته يبقى جهدًا فرديًا فكريًا دون سويّة الأمر المطلوب الذي يمكن من الانتفاع بكنوز التراث .. وأين هذا من عمل المستشرقين في إعداد المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، كعمل ضخم وكدليل علمي لا يستغني عنه أي مشتغل بالحديث .. لقد نجحت العقلية الأوربية بداية في السيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي، وعن طريق الاستشراق والمستشرقين إلى التحقيق والتمحيص والطبع والنشر لمجموعة من أكبر وأهم المصادر التراثية، وعلى الرغم من أن بعض الدراسات كانت تقترب من صفة النزاهة والحياد إلاّ أنها في النهاية وبكل المقاييس تبقى مظهرًا من مظاهر الاحتواء الثقافي . ولقد نجحت العقلية الأوروبية، كما أسلفنا ، في فرض شكلية معينة من التحقيق والتقويم والنقد، وأوجدت القدوة والأنموذج، ويمكن القول: إن معظم الكتابات العربية المعالجة للتراث قد سارت على هذا النهج ولم تتجاوزه إلا في القليل النادر، إلى درجة إيجاد ركائز ثقافية عربية معبرة ومتبنية لوجهة نظرها، ومدافعة عن المواقع الثقافية التي احتلتها؛ حتى في الجامعات والمؤسسات العلمية لا يزال الخضوع والاحتكام للقوالب الفكرية التي اكتسبها المثقفون المسلمون من الجامعات الأوروبية ..ونستطيع القول: إن آثار الاستشراق وإنتاج المستشرقين لا يزال يحتل الكثير من مواقعنا الثقافية، وسوف لا يفيدنا في المواجهة مواقف الرفض والإدانة أو الهروب من المشكلة، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب في أنه لا يقتصر على تشخيص العلَّة ورصد آثارها فقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تحديد الأسباب التي أوجدتها، ومن ثم يصف العلاجيون الخطة التي لا مناص من التزامها في معركتنا الفكرية التي تستهدف وجودنا حيث نكون أو لا نكون .. وميزة هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم أن له صفة الأكاديمية، فقد اعتمد مؤلفه المنهج العلمي الوثائقي في التناول، وناقش المقدمات، وعقد المقارنات، وانتهى إلى النتائج، وقدم الحلول اللازمة بعيدًا عن الانفعال والارتجال، لذلك نقول: إنها لا تكفي القراءة للكتاب بل لا بد من الدارسة له .. ومن ميزاته أيضًا أنه يُمكن أن يصل بالمثقف بشكل عام، والمثقف المسلم غير المخصص بشكل خاص إلى حد الكفاية في هذا الموضوع حيث إن الاطلاع على هذا القدر من المعلومات عن الاستشراق ومناهج المستشرقين يشكل ضرورة لكل مسلم، يبصره بالساحة الثقافية التي يتعامل معها، والخلفية الفكرية للصراع الحضاري.. خاصة وأن مؤلفه الأخ الدكتور محمود حمدي زقزوق يمكن أن يعتبر إلى حد بعيد متخصصًا في هذه القضية الهامة، بعد أن عَرَف المستشرقين واطلع على إنتاجهم عن قرب بطبيعة متابعة دراساته العليا في الغرب، وأنه كان مقررًا للندوة التي دعت إليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في القاهرة لمناقشة إعداد موسوعة الرد على المستشرقين، وأعد التقرير عن المنهج العلمي الواجب اتباعه في إعداد الموسوعة .. وتبقى حاجة المكتبة الإسلامية قائمة لمجموعة من الكتب التي تعرض للقضايا الفكرية التي يعاني منها عالم المسلمين ، وتصل إلى حد الكفاية بالنسبة للمسلم غير المتخصص على حو هذا الكتاب بعيدًا عن الانفعال والعاطفية وإثقال ذهنه بما ينفع وما لا ينفع. بقلم الدكتورعمر عبيد حسنة

الاعتدالُ الإسلاميّ استحقاقٌ حضاريّ

محمد أبو رمان 21/12/1426

ثمة خطاب فكري وسياسي عربي، يصدر في أغلبه من معاقل العلمانيين واليساريين العرب، ينظر بعين الريبة والاتهام إلى مفهوم"الإسلام المعتدل"بدعوى أنّ هذا المفهوم أصبح اسمًا حركيًا تستخدمه الإدارة الأميركية لتفريغ الإسلام من محتواه النضالي والجهادي، وللانقلاب على الحركات الإسلامية المقاتلة، بافتعال حروب داخل النشاط الإسلامي، تتولى فيها التيارات الإسلامية المعتدلة الحرب، بالوكالة عن الولايات المتحدة، على التيار الإسلامي المتشدد، وتكون محصلة ذلك خدمة المصالح الأميركية في المنطقة.

وفي الوقت الذي تشهد فيه بعض الدراسات والرؤى الصادرة عن مراكز الخبرة والتخطيط الأميركية لهذه الدعوى، كدراسة (راند) "الإسلام المدني الديمقراطي"، التي توصي بدعم الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين العرب لمواجهة الإسلام الراديكالي. إلا أنّ ذلك لا يعني الانسياق وراء هذه القراءة المختزلة لنجعل قيم الاعتدال والوسطية والعقلانية في الإسلام وكأنها"وصفة غربية"دخيلة على المجتمعات العربية والمسلمة، ونجعل - في المقابل- التطرف والتشدد بمثابة الأصل والجوهر العام الذي يصبغ أحكام الإسلام وتشريعاته!

بالتأكيد هناك دعاوى أميركية لإيجاد صيغة من الإسلام المهجن الوديع، لا يتناقض مع المصالح الأميركية في المنطقة العربية. لكن هذه الصيغة المطروحة تتناقض مع منطق الإسلام ذاته أولًا، ولن يكتسب أي تيار إسلامي، أيا كانت توجهاته، يقبل بالصيغة الأميركية أي دور اجتماعي فاعل ثانيًا. والموضوع- من ناحية أخرى- لا يرتبط بطبيعة الخطاب الإسلامي بقدر ما يرتبط بمصالح سياسية على أرض الواقع، تحكم بدرجة رئيسة طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية وغيرها من القوى العربية أينما وُجدت. إذ يمكن أن تتحالف الإدارة الأميركية مع أكثر التيارات الإسلامية تشددًا وتطرفًا إذا كانت مصالحها تقتضي ذلك، ويمكن أن تعادي أكثر التيارات الإسلامية اعتدالًا وفقًا لاعتبار المصالح.

ولماذا نذهب بعيدًا فلدينا أمثلة ملموسة واضحة؛ فتقرير مؤسسة (راند) ذاته يدعو إلى استخدام"الإسلام التقليدي"في مواجهة"الإسلام الثوري"، ومن المعروف أن الإسلام التقليدي يمثل حالة من الانغلاق ورفض الاجتهاد والتجديد العقلاني في الرؤى والتشريعات الإسلامية. كما تعتمد الحكومات العربية على اتجاهات تقليدية متعصبة في مواجهة الإسلام العقلاني المعتدل. حتى"الجهاد الأفغاني"فقد تم توظيفه - بامتياز- من قبل الولايات المتحدة والحكومات العربية المحافظة في مواجهة الاتحاد السوفيتي والحكومة الموالية لموسكو في أفغانستان، ولما انتهت وظيفته جعلوا منه مصدر تهديد ليخدم مصالح أميركية أيضًا!

وفي الوقت الذي رفض فيه البرلمان التركي، الذي يسيطر عليه حزب (العدالة والتنمية) المعتدل جدًا، أن يسمح للقوات الأميركية بالانطلاق من الأراضي التركية في حرب العراق الأخيرة، فإنّ"قوى إسلامية شيعية"ساهمت- وهي جد متشددة مقارنة بالعدالة التنمية- باحتلال العراق وخدمة أجندات إقليمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت