فهرس الكتاب

الصفحة 2029 من 2255

للبعد الروحي والأخلاقي مكانته المركزية في تقييم درجات ( التحضر ) والتخلف

لدى الشعوب ، وفي هذا الإطار يقول د . حسين مؤنس:( فقد يكون الأمي البسيط

أقرب إلى مفهوم الحضارة من المتعلم ، بل المتبحر إذا كان الأول محتفظًا مستواه

المعنوي وكرامته الإنسانية متمسكًا بالفضائل خاليًا - ما أمكن - من الأحقاد

والمطامع ، وإذا كان الثاني قد انتقل من يده ميزان القيم واضطرب مقياسه الخلقي

والمعنوي ) [5] ، أي أنه ليس من الضرورة أن يفرز مجتمع متقدم ماديًا ( حضارة )

تفي بحاجات بنية ، فربما تمنحهم الإحساس ( باللذة الحسية ) ولكنها تفتقر إلى

منظمة القيم التي تشعرهم بالأمان ؛ فالمجتمع العربي المسلم ربما يعتبر ( متخلفًا )

إذا ما تم النظر إليه بمعايير ( التقدم المادي ) ، ولكن التزام أبنائه بالزكاة مثلًا أو

بالهدي النبوي الشريف: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ،

إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » [6] ، يعد أكثر

تحضرًا من نظيره الغربي المتقدم عنه ماديًا والذي يستقي قيمه وتقاليده من( تمجيد

الفردية )التي جعلت الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان كما وضح ذلك ( هوبز ) .

ولقد أدت سيادة التعريفات الغربية المتحيزة لمفهوم الحضارة( الذي بيناه في

مستهل هذه الدراسة )في أوساط النخبة العربية المتأوربة إلى الانزلاق في مأزق

( التبعية الفكرية والثقافية ) للدول الصناعية الكبرى ، ويظهر ذلك بجلاء

عندما تستشار - هذه النخبة - حول الإشكالية التي لم ينفضَّ الجدل بشأنها ، منذ

بدايات القرن الحالي وإلى الآن وهي: ماذا يؤخذ من الغرب المتقدم ، وما يُرَدُّ ؟

إذ يكاد هؤلاء يُجمِعون على أن يؤخذ كل ما تنتجه أوربا ولا يراد منه شيء ، أي

نقل ( الآلة ) بجانب ( الحضارة ) أو الثقافة أو مجموعة القيم السائدة التي تطورت

الآلة في كنفها ، وقسر الواقع العربي أو جلده إلى أن ينصاع لها أملًا في إحداث

ثورة صناعية توازي تلك التي ينعم الأوربيون بها . ولعنا نتذكر دعوة( طه

حسين )الشهيرة ، في بداية هذا القرن في كتابه المثير للجدل( مستقبل الثقافة في

مصر ) [7] حين دعا صراحة إلى أن نحذو حذو أوربا في حلوها ومرها ، خيرها

وشرها ... ! بل إن الأمر تطور إلى ما هو أخطر من ذلك ؛ إذ حلت ( قيم ) الغرب

محل المعيار الرباني الخالد ( القرآن والسنة ) في قياس القيم السائدة في المجتمع ،

وما ينفع المسلم وما يضره ، حيث قاس ( قاسم أمين ) قيمًا حضارية إسلامية

كـ ( الحجاب ) مثلًا بمعايير ( حضارة الغرب ) ؛ لأنه الطرف ( الأكثر تفوقًا ماديًا )

إذ يقول ( هل يظن المصريون أن أولئك القوم( بقصد الأوروبيين ) بعد أن بلغوا

من كمال العقل والشعور مبلغًا مكنهم من اكتشاف قوة البخار ، والكهرباء ،

يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا فيه خيرًا ؟ كلًا ! ) [8] .

وقاسم أمين ليس استثناءًا ، إذ إن رواد ما يسمى بـ( حركة النهضة العربية

الحديثة )اعتقدوا جميعًا أن ( الحضارة ) هي وليدة عبادة ( العلم ) ، أو أن يحل

( العقل ) محل ( الله ) ! ! ولعلنا نذكر دعوة ( شبلي شميِّل ) إلى الاستعاضة

عن الدين بالعلم وبالأخص العلم الطبيعي ( الإلحادي ) [9] ، وإلى هذا النحو ذهب

أقرانه من دعاة ( الظلامية ) والمتخذين من ( التنوير ) واجهة للتخريب الفكري

والعقلي الذي مارسوه باسم الاستنارة والتحديث .

وصفوة القول هنا: أن الحضارة هي مرادف آخر لتشكيلة من القيم الأخلاقية

المنبثقة من أسس دينية ( إما من نبوة أو من دعوة حق ) كما يقول ابن خلدون [10] ،

وتأسيسًا على ذلك التحضر يعني ( التدين ) لأن المتدين يضبط علاقاته بالمجتمع

والكون والعالم ( مبدأ ) أخلاقي معين ، بينما من يتحرر من سلطة القيم والمثل

والأخلاق يعطي نفسه الحق في الحصول على ما يبغي ، ولو كان على حساب

الآخرين . ولنا أن نتوقع ما يمكن أن يحدث لو أن المجتمع يشكِّله مثل هذا الأنموذج

الوحشي من البشر ؛ إن النتيجة التي لا يمكن تحاشيها هي( حرب الجميع ضد

الجميع ).

فالحضارة أو التحضر - إذن - هي منهج هداية بضبط علاقة الإنسان

بمحيطة الاجتماعي ( والمادي أيضًا ) ، وإن غياب هذا المنهج يعني: الاستباحة

والتحلل الأخلاقي ، والتفسخ الاجتماعي ، يعني: ( التخلف ) بمعناه الشامل .

(1) راجع أيكه هولتكرانس ، قاموس مصطلحات الأثلولوجيا والفلكور ، ترجمة د محمد الجوهري -

د/ حسن الشامي ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، ط 2 1999 ، ص 178- 184 .

(2) راجع ج ب فراتسوف ، نقد علم الاجتماع البرجوازي ، ترجمة: رجاء أحمد ، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي نيقوسيا براغ ، 1988 ، ص 125 ، 126 .

(3) راجع جي روشيه ، مدخل إلى علم الاجتماع العام (الفعل الاجتماعي) ترجمة ، مصطفى شلبي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ، طبعة 1983م ، ص 131 .

(4) صدر كتاب (تايلور) بإنجلترا عام 1871م .

(5) راجع د حسين مؤنس ، الحضارة طبعة الكويت 1978م ، ص 53- 57 .

(6) رواه البخاري ، ح/ 5552 .

(7) صدر هذا الكتاب عام 1938م .

(8) نقلًا عن جمال سلطان ، جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث ، مركز الدراسات الإسلامية ، برمنجهام - بريطانيا ، الطبعة الأولى 1991م ، ص 58 ، 59 .

(9) انظر: السيد ولد أباه ، أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر ، إشكالية نقد العقل نموذجًا ، مجلة الكاتب العربي ، السنة 9 العدد 28 ، تصدر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ، طرابلس ، ليبيا ، ص 41 .

(10) مقدمة ابن خلدون ، طبعة دار الدعوة ، بيروت ، 1981م ، ص 124 .

الإسلام لعصرنا.. لماذا؟ وكيف؟

أ.د. جعفر شيخ إدريس*

الإسلام كما أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم ومن غير تحريفٍ ولا تبديل هو الدين الذي رضيه سبحانه وتعالى للناس أجمعين في كل مكان وكل عصر منذ مبعث رسوله الأمين وإلى أن يقوم الناس لرب العالمين.

فالإسلام لعصرنا كما كان للعصور قبلنا، لكن إذا كانت نصوص الشرع لا تتغير ولا تتبدل؛ فإن أحوال الناس تتغير وتتبدّل؛ فماذا يفعلون؟

يقول المتذبذبون: دعوا النصوص كما هي؛ لكن أعيدوا تفسيرها وأعطوها من المعاني ما يتناسب مع ثقافة عصركم كما أعطاها من سبقكم ما يتناسب مع ثقافة عصره؛ فإن النصوص وحيٌ إلهيٌ لكن فهمها جهد بشري. النصوص مطلقة لكن فهمها نسبي.

يقول الثابتون على الحق: لكن نصوص القرآن نزلت بلغة عربية ذات معانٍ محددة يعقلها العارفون بهذه اللغة (إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون) [يوسف: 2] . ثم جاءت السنة لتزيد المعاني اللغوية بيانًا، ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسروا هذه النصوص بحسب ما فهموا من لغة القرآن والسنة التي كانت لغتهم، وبحسب ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحسب ما شاهدوا من المناسبات التي نزلت بسببها الآيات، والأحوال التي ذكرت فيها الأحاديث، ثم جاءت الأجيال تلو الأجيال من أئمة المسلمين وعلمائهم لتفهم من نصوص الكتاب والسنة هذا الفهم نفسه كما تدل عليه مؤلفاتهم؛ فالقول بأنهم فسروا النصوص بحسب ثقافة عصورهم إنما هو مجرد وهم تبطله الحقائق التاريخية.

يقول المتذبذب: أتعني أنهم لم يختلفوا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت