فهرس الكتاب
صحيح أن أهل الغلو يعتبرون فئة قليلة، وربما اندثر معظمها إلا أن آثارها لا تزال موجودة، لأنها لم تعالج بشكل طبيعي، ولأن الأعداء من علمانيين وغربيين حاولوا تشويهها، والانتقال إلى شباب الصحوة المعتدلين، ليبعدوهم عن العودة إلى منابع دينهم الصافية.
وعلى العموم
نهاية جريمة قتل 438 طفلًا ليبيًا مثال على حضارة النظام العالمي الجديد
عمر نجيب
16/07/1428هـ
المركز الفلسطيني للإعلام/ سلمت ليبيا إلى بلغاريا يوم الثلاثاء 24 يوليو 2007 الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني المدانين بجرم حقن مئات من الأطفال الليبيين بفيروس نقص المناعة المكتسب، وفور وصول هؤلاء إلى مطار صوفيا على متن طائرة رئاسية فرنسية كانت تحمل كذلك سيدة فرنسا الأولى سيسيليا زوجة الرئيس الفرنسي ساركوزي؛ أصدر الرئيس البلغاري الذي حضر إلى المطار ليرأس استقبال السجناء بالورود وكأنهم أبطال؛ عفوه عن هؤلاء، وبالتالي نجاهم من فرضية قضائهم بقية فترة السجن في معتقلات بلغاريا كما تنص على ذلك الاتفاقيات القضائية الموقعة بين بلغاريا وليبيا منذ سنة 1984م حول تبادل السجناء.
وجاء هذا التطور بعد مسلسل صفقات تسارعت وتيرته بين ليبيا وعدة دول أوروبية في مقدمتها بلغاريا وفرنسا، ودول أوروبية أخرى، فيوم الثلاثاء 10 يوليو 2007 أقرت المحكمة العليا في ليبيا حكم الإعدام الصادر عام 2004م بحق 5 ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني منحته بلغاريا بعد ذلك جنسيتها.
مباشرة بعد هذا الحكم أكدت مصادر حقوقية أن عدة دول شرق أوروبية قررت إعفاء الحكومة الليبية من ديون متوجبة عليها، وتعود لفترة ما قبل سقوط الإتحاد السوفيتي؛ بموجب مقترح للتعويض على أسر قرابة 438 طفلًا ليبيا، وبناء على ذلك تدفع حكومة ليبيا إلى أسر الضحايا الأموال التي كان من المفترض أن تدفعها إلى دول أوروبا الشرقية لسداد ديونها.
وفي حينها صرحت الناطقة باسم الحزب الحاكم في جمهورية سلوفاكيا أن رئيس الوزراء روبرت فيكو كان قد بحث مع المسؤولين الليبيين في فبراير 2007م احتمال إلغاء بعض الديون المتوجبة على ليبيا ضمن صفقة التعويضات، وقالت المتحدثة كاترينا كليزانوفا: إن المباحثات في هذا الشأن ما زالت قائمة بين الطرفين الليبي والسلوفاكي، وأعلنت أن حجم ديون ليبيا لسلوفاكيا تصل إلى 130 مليون دولار.
وتدين ليبيا بأموال لعدد من الشركات التي تعود ملكيتها لدول من شرق أوروبا إبان فترة الحكم الشيوعي السابق، حيث تدين ليبيا لبلغاريا بـ290 مليون دولار، ولجمهورية التشيك بقرابة 300 مليون دولار.
إذا كانت سلوفاكيا قد أقرت رسميًا بدفع التعويض؛ فإن صوفيا نفت أي توجه مشابه قائلة: إن دفعها تعويضات لليبيين يعتبر اعترافًا بجريمة مواطنيها، وبالتالي ينسف كل ادعاءاتها، ومحاولاتها للتمسك ببراءة الممرضات، البعض اعتبر في حينها تصريحات الحكومة البلغارية نوعًا من الكذب الذي تعودت عليه الكثير من الدول لأهداف سياسية معينة.
في منتصف شهر يوليو 2007م انتهت عملية تسليم أسر الأطفال الضحايا التعويضات البالغة في مجموعها حوالي 400 مليون يورو، وهي بمثابة"دية"، مما يسمح حسب الشريعة الإسلامية بالتنازل عن أحكام الإعدام مقابل التعويض.
مباشرة بعد ذلك تم تحويل حكم الإعدام على المتهمين الستة إلى السجن المؤبد، وفي نفس الوقت تقريبًا قررت محكمة اسكتلندية إعادة محاكمة المقرحي المتهم الليبي الوحيد المدان في بريطانيا في قضية تفجير طائرات ركاب أمريكية فوق مدينة لوكيربي، وذلك بعد ثبت لديها أن أدلة إدانة المواطن الليبي زورت وحورت من طرف الإدعاء البريطاني.
يوم الإفراج في صوفيا عن المدانين الستة قال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو يوم الثلاثاء: إن الاتحاد الأوروبي سيعزز العلاقات مع ليبيا، وأضاف باروزو للصحفيين في بروكسل:"أبلغنا السلطات الليبية أننا مستعدون للتوسع في تطبيع العلاقات، كان لعدم تسوية قضية الممرضات هذه دور كبير في تعثر علاقاتنا مع ليبيا".
ولدى سؤاله إن كان لليبيا أن تتوقع مزايا فيما يتعلق بالتجارة أو المساعدة في مشروعات البنية الأساسية أو أي مساعدة مالية أخرى قال باروزو:"يمكن أن نتوقع تقدمًا في المجالات المختلفة للتعاون بيننا"، وتابع:"لم نزد من مساهمتنا المالية التي تفاوضنا عليها بالفعل مع الليبيين لفترة غير قصيرة".
وقال مصدر أوروبي إن مفوضة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي بنيتا فيريرو فالدنر التي زارت ليبيا لمرافقة السجناء البلغار وقعت اتفاقًا من صفحتين مع ليبيا يحدد كيفية تعزيز العلاقات، ويؤكد عرض الاتحاد الأوروبي تقديم رعاية طبية للأطفال المصابين، والمساهمة في تطوير مستشفى في بنغازي، وأكد المصدر:"أنه يغطي كل شيء، التجارة وتقديم العون للحفاظ على الآثار، والهجرة غير المشروعة، والمنح الدراسية، وتأشيرات الدخول"، وأضاف: إن المفوضية الأوروبية ما زالت بحاجة لأن تطلب من حكومات دول الاتحاد الأوروبي تفويضًا بإبرام اتفاقات مع ليبيا فيما يتعلق بهذه الأمور، وقالت فيريرو فالدنر في بيان لدى وصولها إلى صوفيا:"سيفتح هذا القرار الطريق أمام علاقة جديدة ووثيقة بين الاتحاد الأوروبي وليبيا، وسيعزز روابطنا مع حوض البحر المتوسط وأفريقيا بأسرها".
فرنسا استفادت من العملية ليبرز رئيسها الجديد ساركوزي أنه أكثر نجاحًا من غيره من الأطراف المتوسطة ومنها الولايات المتحدة لإنهاء القضية، وكالعادة في مثل هذه الصفقات حاول الرئيس الفرنسي أن يقدم نفسه كبطل لم يقدم تنازلات مثله مثل رئيس بلغاريا، حيث عقد مؤتمرًا صحفيًا يوم الثلاثاء قبل 24 ساعة من زيارته لليبيا ليتحدث عن إنجازه، وردًا على سؤال عن الشروط التي طالبت بها الحكومة الليبية للإفراج عنهم قال ساركوزي في مؤتمر صحفي:"يمكنني أن أؤكد لكم ببساطة أن لا أوروبا ولا فرنسا قدمت أي مساهمة مالية لليبيا"، ولكنه قدم شكرًا إلى قطر لجهودها، مما فتح الباب أمام تكهنات بأن هذه الأخيرة قدمت تعويضات مالية نيابة عن فرنسا، وهنا من الواجب الإشارة إلى أن قطر عقدت قبل أسابيع صفقات مع فرنسا بمليارات الدولارات تتعلق بمعدات عسكرية، وطائرات ركاب من شركة إيرباص، ومثل هذه الصفقات تسمح بتحايل في التصرف بالأموال، وتوجيهها إلى طرف ما عبر طرق مطولة ومتعرجة مما يسمح بالتلاعب بالكلمات، ونفي تقديم تعويضات ومقابل في صفقة المدانات البلغاريات.
ومن المطروح أن تقدم باريس كذلك تسهيلات غير مسبوقة لطرابلس في المجال النووي كنوع من التعويض على صفقة الممرضات، وفي نفس الوقت توفير صفقة ضخمة للصناعات الفرنسية خاصة العسكرية منها، وقد اتهمت شبكة الجمعيات الفرنسية المسماة"التخلص من النووي"الرئيس الفرنسي بأنه قايض إطلاق ليبيا للممرضات البلغاريات بتعهد يسمح بإمداد طرابلس بتكنولوجيا نووية سلمية.
وزيادة في تأكيد حصول ليبيا على تعويضات مالية قال مسؤول في الحكومة الليبية طلب عدم كشف اسمه لوكالة فرانس برس"تمت التسوية، أخذنا ضمانات لعلاج الأطفال، وتحديث مستشفى بنغازي، وضمان الشروط الليبية لتطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي".