فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 2255

بينما قال وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم: إن الاتحاد الأوروبي وفرنسا"غطيا كل المبلغ"الذي قدمه صندوق بنغازي لمساعدة عائلات الأطفال الليبيين المصابين بالإيدز، وأكد خلال مؤتمر صحافي"رجع كامل المبلغ الذي دفعه الصندوق، والاتحاد الأوروبي وفرنسا غطيا كل المبلغ، بل هناك زيادة بعض الملايين"في الصندوق.

هذه هي الأجزاء الرئيسية من الصفقة التي مكنت تحرير ستة مجرمين مدانين بوضع 438 طفلًا ليبيا على درب الموت، انتقل منهم حتى الآن 56 طفلا إلى رحمة الله.

جدل كثير يمكن أن يثور حول الصفقة، وبدون الخوض فيه؛ كان كشف فصول الصفقة كما سبق أمرًا ضروريًا لإبراز النفاق الغربي حول حقوق الإنسان، والتمييز الذي يمارسه تجاه العرب والمسلمين.

ثمان سنوات من الدفاع عن جريمة لا تغتفر:

أقام الغرب الدنيا ولم يقعدها على مدى ثمان سنوات حول الممرضات البلغاريات الخمس، وتخطى كل القواعد الحقوقية والسيادية، وحكم بدون أدلة أن المدانات بريئات، وضغط على ليبيا للإفراج عنهن، الرئيس بوش تفضل وهو يتناسى جرائم حكومته وجيشه في العراق وأفغانستان وغيرهما بالتحدث أكثر من ست مرات في خطب ومؤتمرات صحفية رسمية عن المجرمات، وضرورة إطلاق سراحهن، رفيقه على درب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحروب رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير اختتم فترة حكمه التي دامت عشر سنوات بزيارة ليبيا لإتمام الصفقة، والمساومة بقضية لوكربي، الرئيس الفرنسي ساركوزي جعل قضية المجرمات البلغاريات قاتلات الأطفال، والمتورطات مع مافيا تجارة الدم الملوث المكتشفة في إيطاليا؛ جزءًا هامًا من حملة انتخابه الرئاسية، الإتحاد الأوروبي ببرلمانه ومختلف دوله سار على نفس الخط للدفاع عن خمس مجرمات.

كل هذه الأطراف وغيرها تمسكت بالدفاع عن أشخاص أدينوا بجريمة قتل عن قصد، وفي نفس الوقت تناسوا 11 ألف أسير فلسطيني في سجون إسرائيل، ومئات في معتقل غوانتانامو الأمريكي في كوبا، وتغاضوا بل وغطوا على سجون الولايات المتحدة السرية في أوروبا وغيرها، كما نسوا بسرعة فضائح جرائم سجن أبو غريب في العراق، وأكثر من 240 ألف أسير عراقي في معتقلات الجيش الأمريكي والمرتزقة في بلاد الرافدين.

الواقع أن العرب والمسلمين لم يعودوا في نظر المستكبرين في الغرب أكثر من عبيد وحيوانات تجارب لا تستحق سوى الشفقة من حين لآخر، بينما هناك جنس بشري فوق الجميع له الحق في كل شيء، بينما تنعدم كل الحقوق حتى أبسطها للباقين.

هكذا يتمت القوات الأمريكية ومرتزقتها في العراق 5 ملايين طفل عراقي، وقتلت مليون عراقي غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وذلك بعد أن قتلت بالجوع والمرض مليون ونصف طفل عراقي خلال سنوات الحصار من 1991م إلى 2003م، ورغم ذلك تبقى الولايات المتحدة تتشدق بالدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان.

وفي أفغانستان يقتل حلف الناتو آلاف المدنيين، وينشر الدمار، ويحاول قهر شعب بكامله بدعوى القضاء على ما يسمى الإرهاب ونظام طالبان؛ فتصفق له أبواق الغرب، وفي القرن الأفريقي تغزو أثيوبيا بأمر من واشنطن الصومال لتحتلها وتطيح بنظام أعاد الاستقرار والأمن بعد 16 سنة من الفوضى، وتقتل قوات الاحتلال تساندها قوات البنتاغون 1200 مدني في العاصمة مقديشيو خلال أقل من أسبوع في شهر مايو، وتشرد 140 ألفًا آخرين، فيصفق الغرب لقهر الإرهاب.

يجوع الغرب زهاء أربعة ملايين فلسطيني في غزة والضفة الغربية، ويحرمونهم من المال والدواء لأنهم انتخبوا ديمقراطيًا حركة حماس لتحكمهم، ومع ذلك يتشدقون بالقول أنهم أنصار الديمقراطية، كل شيء أصبح بالمقلوب، وكل القواعد القانونية والأخلاقية سقطت.

هذه هي الحقيقة المرة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عندما نشاهد أكثر من 438 طفلًا يموتون تباعًا منذ 5 سنوات في ليبيا بعدما تم حقنهم بدم ملوث بفيروس السيدا أثناء ترددهم للعلاج بمستشفى بنغازي للأطفال سنة 1998م، فهذا بالنسبة للغرب أمر هين سهل ليس من الضرورة نقاشه، ولكن عندما نشاهد الحكم بإعدام الممرضات الخمس فإن هذه كارثة بالنسبة لحكومات لندن وواشنطن وصوفيا وغيرها، وخاصة في القارة الأوروبية، وهذا يذكرنا بقول الشاعر:

قتل شاة في فلاة

جريمة لا تغتفر

وقتل شعب آمن

قضية فيها نظر

الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية و فقدان للهوية

طارق حسن السقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت