فهرس الكتاب

الصفحة 1730 من 2255

إن علينا الآن أن نتحرك ونصل إلى وسائل التأثير المتعددة في المجتمعات الغربية لنتحدث إلى الناس ونصحح ما لديهم من معلومات خاطئة ومموهة عن الإسلام وقد شكا الصحفي الأمريكي (ديفيد لامب) من صحيفة"لوس انجلس تايمز"قبل سنوات من أن العرب والمسلمين يضيعون جهودهم في الحديث اليومي مع بعضهم بعضًا، وفي التذمر من دور وسائل الإعلام الأمريكية في تشويه صورتهم، عوضًا عن نقل هذا التذمر والامتعاض بشكل دقيق ومعلوماتي للإعلام الأمريكي. وهو محق فيما قاله ؛ فليس المهم ما يفعله الغرب لتشويه صورتنا، ولكن المهم هو ما سنفعله نحن لتغيير تلك الصورة، علينا أن نتحرك وفق رؤية مستقبلية واضحة المعالم تنبثق عنها خطط ونشاطات عملية منظمة.

إن تلك الرؤية المستقبلية لابد أن تراعي الأسس التالية:

أولا: أن تعتمد نظرتنا الاستراتيجية للتغيير على ما يمكن تسميته"صناعة الصورة البديلة"عوضا عن الانشغال بردود الأفعال ومحاولات الترقيع. فبدلًا من الإغراق في تفنيد المغالطات وملاحقة مروجيها علينا أن نقدم المعلومات الصحيحة وفق منظومة متكاملة ومستمرة غير منقطعة. وعلينا أن نسلك سياسة النفس الطويل ولا نرتهن للعمل الوقتي الذي قد ينجح في تسجيل هدف في مرمى الخصم ولكنه لن يحقق الفوز النهائي في المباراة!!

ثانيا: أن تتوجه جهود صناعة الصورة البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار. فإن الشعوب الغربية تبدي - كما رأينا - استعدادًا وقابلية للتغيير. ولم يعد من الصعوبة اليوم الوصول إلى الجماهير عبر العديد من وسائل الإعلام وشبكات المعلومات وقنوات الاتصال الشخصي. كما أن العديد من المؤسسات المدنية في المجتمعات الغربية توفر لنا ساحة ملائمة لإيصال رسائلنا إلى قطاعات متنوعة من الأفراد والجماعات.

ثالثا: أن يستند النشاط الفعال لصناعة الصورة البديلة إلى مزيج من العمل الإعلامي والعمل الثقافي والعمل الدبلوماسي والاتصال الشخصي، فتغيير الصورة المشوهة وإحلال صورة بديلة مكانها لا يكفي لتحقيقه الاعتماد على نوع واحد من هذه النشاطات. بل نحتاج إلى الحركة في جميع هذه الجبهات. علينا أن نصل إلى وسائل الإعلام المؤثرة في الغرب وننشط علاقتنا مع الإعلاميين المميزين ونوثق صلتنا بالمؤسسات الإعلامية ذات النفوذ. ولاشك أن هذه العلاقات والصلات متى ما نمت ونضجت فستساهم في تثقيف أولئك الإعلاميين وتصحيح مفاهيمهم وتصوراتهم عن الإسلام وذلك عن طريق تزويدهم بالمعلومات والتعبير لهم عن الآراء حول القضايا والموضوعات التي تتعلق بالدين الإسلامي او تتناول شؤون العالم الإسلامي وهموم المسلمين.

وعلينا أن نمارس ألوانا متعددة من النشاط الثقافي عبر وسائل متنوعة مثل: توزيع الكتب والنشرات وإقامة المعارض والمهرجانات، وتقوية برامج التبادل الثقافي بين الدول الإسلامية والمؤسسات الغربية. وينبغي التركيز على المؤسسات التعليمية والجامعية بالعمل على تصحيح المناهج الدراسية وتكثيف الصلات العلمية مع مراكز البحوث والدراسات وهيئات التدريس في الجامعات الغربية.

ولابد من استثمار وجود الهيئات الدبلوماسية الرسمية للدول العربية والإسلامية في المجتمعات الغربية للإسهام في برامج صناعة الصورة البديلة وذلك من خلال توجيه هذه الهيئات على ما يمكن تسميته"الدبلوماسية الشعبية"التي تكثف صلتها وتواصلها مع شرائح ومؤسسات المجتمع المدني بدلًا من الاكتفاء بالصلات الرسمية مع الدوائر الحكومية فحسب.

كما أن نشاط الأفراد والمؤسسات الخاصة في مجال الاتصال الشخصي له دور فعال في تكوين الصور الذهنية وتغييرها. وتوافرت اليوم لنا وسائل وقنوات لم نكن نحلم بها من قبل مثل شبكات المعلومات وأنظمة البريد الإلكتروني وغيرها بالإضافة إلى رحلات العمل التجاري والحركة السياحية التي تضاعفت مرات عديدة خلال سنوات الأخيرة.

رابعا: أن يكون العرب والمسلمون المقيمون في البلدان الغربية في مقدمة الصفوف لرسم سياسات صناعة الصورة البديلة وتنفيذ خططها في الواقع العملي. فهم أكثر دراية ومعرفة بواقع المجتمعات التي يعيشون فيها. وهم أكثر مصداقية منا في التعامل مع مواطنيهم الغربيين ، ولربما كان عملهم أكثر قبولا لدى الغربيين. ويمتلك العرب والمسلمون في الغرب اليوم عددًا من المؤسسات الفاعلة التي تحتاج إلى دعم ومساندة لتؤدي دورًا أكبر وأكثر تأثيرًا وهناك طاقات وإمكانات إسلامية متناثرة في عدد من المجتمعات الغربية تحتاج إلى إن تراجع نفسها وتعيد حساباتها لتكون أفضل أداء ونشاطا مما هي عليه الآن.

إن علينا في العالم الإسلامي، حكومات ومؤسسات وأفرادًا أن نشجع المجتمعات الإسلامية الموجودة في الغرب على مزيد من الاندماج الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها ليكونوا جزءا فاعلا من النسيج الفكري والاجتماعي والسياسي لتلك المجتمعات. وعلينا في العالم الإسلامي أن نساعدهم على ذلك ونبذل لهم ما نستطيعه من دعم وتأييد، وأن نسعى دومًا لحمايتهم وكف الأذى عنهم سواء أكان من الغرب أم من العالم الإسلامي. إن هؤلاء المسلمين هم طليعة التغيير في تلك المجتمعات وعليهم يقع العبء الأكبر من المسؤولية فعلينا أن نعمل على تقويتهم ؛ لأن في تلك قوة لنا. وعلينا أن نساندهم لتعزيز وجودهم لأن في ذلك عزة لنا.

خامسا: أن نصوغ لنا خطابا إسلاميا جديدا لمخاطبة الغرب يحل محل الخطاب القديم. فلم يعد مستساغًا ولا مقبولا أن نخاطب الغرب بخطاب استعدائي يوغر الصدور بدلا من أن يقربها. إن خطابنا الإسلامي الجديد عليه أن يراعي خصائص الجماهير المستهدفة وظروفهم الفكرية والاجتماعية والسياسية وان يتشبع بروح إيجابية فيقدم الإسلام للغرب بوصفه خيارًا حضاريًا يمكن أن يسهم في إثراء القيم الإنسانية التي يؤمن بها الغرب نفسه، وبوصفه تحديًا فكريًا جديرًا بالدراسة والتأمل العقلي. وعلينا ألا نقدم الإسلام للغرب بوصفه منازعًا ومناطحًا إيديولوجيا له بل بوصفه رسالة هادية ورحمة للناس ومستودع علاج لكثير من مشكلات العالم.

إننا إذا ما قدمنا الإسلام بهذه الصورة المضيئة، وهي صورته الحقيقية التي أرادها الله تعالى له، فإننا سنكسب كثيرًا حاضرًا ومستقبلا، فلماذا لا نجرب ذلك ؟

(*) رئيس تحرير صحيفة البلاد السعودية

والمقال ورقة عمل مقدمة لندوة"صورة العالم الإسلامي في الإعلام الغربي بين الإنصاف والإجحاف"التي نظمتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) في الرباط (9-10 يناير 2002 م)

المسلمون في الغرب تأملات في مستقبلهم

د. صالح بن سليمان الوهيبي 2/11/1423

كنت في منهاتن في نيويورك لما وقع الحادث يوم الثلاثاء 11/9/2001م مشاركا في المؤتمر الرابع والخمسين للمنظمات غير الحكومية الذي تنظمه الأمم المتحدة ممثلا للندوة العالمية للشباب الإسلامي ورأيت الرعب في وجوه الناس وهم يشاهدون الأبراج تتهاوى حطاما في غضون وقت قصير . وقد تغير اتجاه السير في لحظات ، فكان الناس متجهين إلى أسفل منهاتن جنوبا ، فإذا بهم يفرون إلى وسطها وأعلاها شمالا باحثين عن مخارج منها إلى المناطق المجاورة في وقت أغلقت فيه الجسور والأنفاق المؤدية إلى الخارج ، ولم يتيسر لي الخروج منها إلا عصر اليوم التالي على قطار متجه إلى واشنطن العاصمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت