فهرس الكتاب

الصفحة 1731 من 2255

في تلك الظروف رأينا على شاشات التلفزة أن العرب والمسلمين هم المتهمون مباشرة منذ اللحظات الأولى . وظلت أجهزة الإعلام ترددّ هذه النغمة قبل أن يتبين شيء مؤكد . وقد أدى ذلك إلى إيراد أسماء ثم السكوت عنها ، فإيراد أسماء أخرى .. وهكذا ظلت الحال ، دون أن تخرج عن أمر واحد .. وهو أن الفاعلين من العرب أو المسلمين !!

ولست هنا بصدد الجدل في الطريقة التي تم بها الإعلان عن الأسماء لأنني أعتقد أن الأمريكيين - حكومة وشعبا - قد ذُهلوا من هول الصدمة ، إذ لم يكونوا يتوقعون أن تُضَرب الولايات المتحدة بهذه السهولة وفق تخطيط متقن ومن ثم سارعت الأجهزة الأمنية إلى التنقيب عن الأسماء وكانت أجهزة الإعلام تتلقى أي شيء في هذا السبيل وتتبرع بإذاعته على الناس بغض النظر عن صحته ما دام موجها إلى تلك الفئة .

و بما أنني كنت في أمريكا عدة سنوات طالبا في إحدى جامعاتها وزرتها من بعد مراتٍ وعايشت الحادثة الأخيرة وبقيت بعدها أياما نظرا لإغلاق المطارات ، فقد كنت دائمًا أعتقد أن الوجود الإسلامي في أمريكا سيبقى في وضع حرج مهما كان وطنيا ومنتميا إلى الأرض ، لا من منطلق عدم إخلاصه لمبادئه - ومنها ولاؤه لوطنه أمريكا - بل لمشكلة (( أزلية ) )تعاني منها الحضارة الغربية النصرانية في علاقتها بالإسلام والمسلمين .

فالحضارة الغربية منذ أن اعتنقت النصرانية ظلت علاقتها بالمشرق علاقة شد وجذب، وحاولت روما نشر مذهبها في المشرق فلم تفلح ، فقد ظلت النصرانية المشرقية بمنأى فكري عن النصرانية الغربية إلى حد بعيد ، ولم تستطع روما أو بيزنطة أن تحكم المشرق إلا من خلال الدول الحدودية كدولة الغساسنة في الشام وزاد العلاقة سوءًا وريبة فيما بعدُ قيامُ الحروب الصليبية ثم الاستعمار .

ولما جاء الإسلام استطاع بفتوحاته أن يسلب بيزنطة معظم أراضيها ورعاياها في المشرق إبان القرن الأول الهجري / السابع الميلادي ، وأن يستولي على شبه القارة الإيبيرية (( الأندلس ) )، فصار الإسلام لدى الغربيين مَخُوفا ومهدِّدا لأمنهم . في تلك الأجواء لم يستطع الغربيون - لا من خلال الكنيسة ولا المؤسسات السياسية - الوصول آنذاك إلى منهج للتعايش مع المسلمين .. بل نشب صراع بين الاثنين وقد حدث ذلك في شكل مريع في أسبانيا (( الأندلس ) )، واشتركت الكنيسةُ والمؤسسات السياسية في عمليات إخراج المسلمين . وتكرر ذلك في صقلية وغيرها من الجزر المتوسطية التي كان الوجود الإسلامي فيها عامرا . ولم يبق للإسلام قائمة في أوربا الغربية . وقد حاول الصرب في العصر الحاضر تكرير الفعل نفسه باستئصال الوجود الإسلامي في البلقان ، لكن الظروف الدولية لم تكن في صالحهم .

وكان المصير نفسه في انتظار الإسلام المبكر في أمريكا الذي يعتنقه جمع غفير من ملايين الأفارقة الذين استُرقّوا منذ القرن الخامس عشر ، فقد أُخمد وأُحلت محله النصرانية عنوة ، وكان أشد العقاب يقع على من يُكتشف ممارسا لشعائر الإسلام كالأذان والصلاة والصوم .

لست أدّعي أن النموذج الأسباني في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي حتمي التكرر .. لكنه تاريخ يلهم المسلمين ويبين لهم أن التفاؤل ذو حدود . ولعله يدعو الغربيين إلى العودة إلى التجارب الماضية وتقويمها لئلا تتكرر الأخطاء نفسها فقد عاش المسلمون في أسبانيا قرونا ، واستطاعوا بناء حضارة شامخة شملت أهل البلاد الذين بقي بعضهم على دينه واعتنق معظمهم الإسلام ، ومع هذا فقد كان الاسئصال شاملا لكل مسلم ، وأخرج المسلمون - العرب والبربر والأسبان وغيرهم - في 1492م وما سبقه من الأندلس أو أجبروا على اعتناق النصرانية وسط رقابة مشددة قد تقود إلى محكمة تفتيش ثم إلى المشنقة .

فهل تغير الحال في الغرب اليوم ؟

إنني أقدم قراءة تاريخية عن مستقبل الإسلام في الغرب عناصرها السابقة جلها صحيح في رأيي ، فهل تكون كذلك في المستقبل المنظور أو البعيد ؟

أحسب أن الوجود الإسلامي في الغرب مرهون بعوامل إيجابية في بعض جوانبها لكن عيبها الكبير أنها من صنع البشر ، فهي من ثم قابلة للتعديل ، وليست معتقدات دينية ينتظر المرء منها جزاء الله أو عقابه فيخافه أو يرجوه .

ومن تلك العوامل الديمقراطية التي يفترض فيها أن تحفظ للمسلمين وغير المسلمين حقوقهم . وعلى الرغم من ذلك فها نحن نعيش لحظات في المطارات الأمريكية يجرّ فيها رجالُ الشرطة المسلم والعربيَّ إلى استجواب وإهانة لمجرد اللون والشكل دون نظر إلى الحقوق القانونية التي تكفلها الديمقراطية ، ولم يسلم من ذلك النصارى العرب فقد كانوا ضحية تلك الأفعال .. بل كان الشبه بالعرب كافيا للتشكك أو الاستجواب أو القتل !! ولو كان هذا العمل صادرا عن أفراد لكان أيسر على الفهم ، لكنه صادر عن مؤسسات حكومية كالمباحث الفدرالية ووكالة الاستخبارات .

والعامل الثاني الذي يمكّن المسلمين من العيش هو الحرية الدينية التي يكفلها النظام العلماني (( اللاديني ) )، ولا شك أن هذه أيضا لم تنبع من اعتقاد ديني .. فوجودها مرهون بالتغيرات الاجتماعية والسياسية .

فلا نستبعد أن يضيق الغربيون ذرعا بالإسلام كلما هبت نسمة اختلفوا بشأنها مع الدول العربية أو الإسلامية ، فينقلبوا على أقرب المسلمين من جيرانهم وبني وطنهم . وقد ظلت طمأنات الساسة تتردد منذ الحادي عشر من أيلول ، لكن لم يظهر تشريع واحد في أمريكا مثلا يعاقب من يقوم بعمل عدائي ضد من يُظن أنه مسلم أو عربي على الرغم من مطالبة بعض جمعيات حقوق الإنسان الأمريكية بذلك .

والعامل الآخر هو أن الوجود الإسلامي في الغرب لا يزال محدودًا ولا يشكل خطرا على الثقافة الغربية كما تراه هي ، حيث لا يزال المسلمون أقليات متناثرة حسب البلدان والانتماءات تدور حول مساجد أو مراكز إسلامية ، وإذا تنامى المسلمون فقد تكون استجابة الغربيين حكومات وشعوبا - مختلفة .

لست أستخف بما حققه المسلمون في الغرب ، فإنني أعتقد أن في إمكان المسلمين توقي غضبة مواطنيهم من الغربيين ، والإسهام الإيجابي في المجتمعات الغربية إذا استفادوا من المعطيات الكثيرة التي يوفرها المناخ الديمقراطي فيها .. وهذا ما سوف أعرض له لاحقا إن شاء الله

سقوط قيم الحضارة الغربية

عمر عبيد حسنة 8/10/1423

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت