المواجهة بين المسلمين وأعدائهم لم تتوقف منذ فجر الإسلام ، مصداقًا لقوله تعالى:"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، فالمعركة مستمرة ، وإن تعددت ساحاتها وتبدلت أسلحتها ، لأن الشر من لوازم الخير ، يقول تعالى:"وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرا"فسنة التداول الحضاري من طبيعة الحياة:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"ولعل ذلك من أقدار الله الغلابة ومن ابتلاءات الخير والشر ، فالمسلمون مستهدفون بأصل إيمانهم وليس بسبب كسبهم أو فعلتهم في كثير من الأحيان ، يقول تعالى:"وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد"، وسوف تتداعى عليهم الأمم لتأكل خيراتهم وتستنزف طاقاتهم وتتحكم ببلادهم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، وسوف تجتمع عليهم ، ولن ترضى عنهم حتى يتخلوا عن دينهم ويصبحوا أتباعًا لليهود والنصارى ، وإلا فالمعركة مستمرة:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"وهذا قد يكون طبعيًا من الأعداء ، لكن المشكلة - في غالب الأحيان - إنما تتمثل في غفلة المسلمين وسُبَاِتهم ، وعدم اليقظة إلى مكر عدوهم"ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة".
وهذا الذي أتينا على ذكره من القرآن ، يشكل قانونًا أو سنة من سن النهوض والسقوط ، والتاريخ شاهد على ذلك في القديم والحديث ، وكم غفل المسلمون أو تغافلوا عن هذا القانون ، وركنوا إلى الذين ظلموا ، ووالوا أعداء الله ، واتخذوا بطانة من دونهم لا يألونهم خبالًا ، وخودعوا بعهود ووعود ، فكان السقوط وكان التخلف ، وكانت الهزيمة الثقافية والسياسية والعسكرية ، لكن من نعمة الله على المسلمين أن تسليط عدوهم عليهم ليس تسليط استئصال وإبادة ؛ لأنهم أمة النبوة الخاتمة ، وإنما تسليط إيذاء وعقوبة على المعاصي الفكرية والسياسية والأخلاقية التي يقعون فيها ، قال تعالى:"لن يضرُّوكم إلا أذى"هذا الأذى ليس هو شرًا دائمًا بل هو - في كثير من الأحيان -خير"لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم"لأنه أشبه بالمحرّضات والمنبهات الحضارية ، التي تشعر الأمة بالتحدي وتبصَّرها بمواطن التقصير ،وتقضي على الجوانب الرخوة في حياتها ، فتستعد للإقلاع من جديد .. فالغريب أن تتوقف المعارك ويتوقف الأذى ، والغريب ألاّ يدرك المسلمون ذلك حق الإدراك ، وهم يتلون القرآن ويقرؤون التاريخ .
لقد مر على الأمة الإسلامية من الحروب والمواجهات والكيود والعداوات ما يكفي لإلغائها ، ليس من الحاضر فقط ، وإنما لاقتلاعها من الماضي أيضًا ، والذي يعرف طرفًا من هذه الحروب والمواجهات والعداوات المتسمرة ، قد لا يفاجأ بالواقع هنا وهناك ، وإنما يرى ذلك شيئًا طبعيًا ، فالشر من لوازم الخير -كما أسلفنا - .
ونستطيع أن نقول: إنه على الرغم من شراسة المعركة ، ووحشية الهجمة على الإسلام والمسلمين في كل مكان ، وضخامة الضحايا والتضحيات ، إلا أن ذلك لا قيمة له إذا ما قيس بالمكاسب التي تتحقق يوميًا لعالم المسلمين ، والحقائق التي تتكشف يوميًا أمام من كانوا غافلين عن طبيعة الصراع إلى زمن قريب ، وكانوا يحسنون الظن بقيم الحضارة الغربية ، ويتوهمون أنها قيم عالمية إنسانية ، تساهم باستنقاذ الإنسان من الظلم والعدوان ، وتمنحه الحرية والعدالة والمساواة ، وإذا بها شعارات للمخادعة والتضليل السياسي ، طرحت في بلاد المسلمين لإخراجهم عن قيم دينهم وحضارتهم ، وتأمين ارتهانهم السياسي والثقافي للغرب وحضارته وبمجرد أن تعجز هذه القيم الغربية عن تأمين العمالة الثقافية وتحقيق الغايات والأهداف ، التي طرحت من أجلها ، فإن الغرب يكون أول المضحَّين بها والمتنكرين لها ، وشواهد الإدانة واضحة في البلقان ، وفلسطين ، وأفغانستان ، وغيرها كثير .
لقد بذل الغرب جهودًا جبارة لإشاعة قيمة الحضارة في عالم المسلمين ، وبلغ في ذلك شأوًا بعيدًا خاصة بعد سقوط مرحلة الاستعمار العسكري ، وأغرى الكثير من أبناء المسلمين بمحاكاته وتقليده والانتهاء إليه والافتتان به ، فاتخذوه قبلة في ثقافتهم ولباسهم وعاداتهم وكتبهم ومناهجهم وإعلامهم وتعلمهم وطعامهم وشرابهم ، إلى درجة قد يظن معها بعض الغافلين عن سنن التداول والتدافع الحضاري ، أن الأمة الإسلامية قد تودع منها ، حيث انتهى زمام السياسة والثقافة في كثير من بلاد العالم الإسلامي إلى قيادات موالية للغرب ، تحميها حراسات مدينة للغرب في وجودها ووسائلها ومصادرها . لكن الذي نراه ونشهده اليوم في هذه الحقبة ، التي يمكن أن نطلق عليها: حقبة المواجهة الثقافية والحضارية ، بعد المواجهة الاستعمارية: أن المسلمين الذين أسقطوا الاستعمار العسكري في الماضي -على الرغم من قوته وجبروته - يسقط أحفادهم اليوم القيم الغربية ويعرونها ويكشفون زيفها .. وأن هذه المواجهة الثقافية والحضارية اليوم تعم العالم الإسلامي ، من مغربه إلى مشرقه .. وأن البلاد الإسلامية التي أسقطت الاستعمار العسكري ،هي المهيأة دون غيرها للانتصار في المواجهة الحضارية ، وإسقاط القيم الغربية ، على الرغم من تصاعد المواجهة إلى صور من المواجهات المسلحة حيث يستنفر لها اليوم كل أعداء الإسلام .
وما أظن أن أحدًا يقدر اليوم على إقناع حتى المسلمين البسطاء ، بأن قيم الحضارة الغربية في الحرية والمساواة والديمقراطية تستحق أدنى احترام أو تقدير ، بعد أن وَأدَها الغرب وتنكّر لها دعاتها من تلامذته ، عندما انقلبت عليه ، ورضي بمساندة الإرهاب والاعتداء والاستبداد السياسي والعسكريات الديكتاتورية في العالم الإسلامي . لقد كان الغرب ودعاة الديمقراطية أول من تنكر لها وضحى بها في أكثر من موقع في العالم الإسلامي ، وذلك عندما أتاحت الفرصة لظهور الإسلام ومجيء الإسلاميين ، وكان دعاتها أول الخائفين منها والمحاربين لها؛ لأن الهوامش البسيطة - لتطبيقها في العالم الإسلامي ، على مستوى النقابات والجمعيات والمؤسسات - عرَّفتهم بأقدارهم وحقيقتهم ، ذلك أن الذين يحاربون الديمقراطية ويخافون منها هم الذين يخسرون مواقعهم عند تطبيقها ..وأن الذين يتهمون بمعاداتها وحربها ، هم ثمار تطبيقها الحقيقي ، وأن الديمقراطية كانت - دائمًا - فرصتهم الإسلامية ، والاستبداد وسيلة أعداء الإسلام ، وأعتقد أننا لو أنفقنا ما في الأرض جميعًا لما استطعنا إسقاط القيم الغربية من نفوس كثير من أبناء المسلمين المرتهنين لها ، كما سقطت - اليوم - على أيدي أصحابها ودعاتها الذين كانوا أول المتنكرين لها عندما سمحت بمجيء الإسلام والإسلاميين ، وأصبح من اليقين الثابت ؛ أن هذه القيم الغربية إنما وجدت لتحقق أغراض أصحابها ، وتأمين العمالة الثقافية في بلاد المسلمين .. وأنها بمجرد أن عجزت عن تحقيق أهدافها ، كان أصحابها ودعاتها أول المتنكرين لها .